فتاوى معاصرة

24 مارس, 2020

اجتماع النَّاس للتَّكبير والدُّعاء في هذه الآونة لا يجوز، والدَّعوات إليه مُنكرة، واتباع إرشادات الوقاية واجب شرعي يأثم مُخالِفُه

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد..

فإن الدُّعاء هو أجلُّ ما يتقرب به العباد إلى ربهم سبحانه؛ والإلحاح على الله به من أعظم أسباب رفع البلاء، وتفريج الهموم؛ قال الله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...} [غافر: 60]، وقال سيدنا رسول الله ﷺَ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ..» [أخرجه الترمذي].

ولكن مع القول باستحباب الدُّعاء وقت حلول البلاء؛ فإنه لا بد من الإلتزام بآدابه وضوابطه، والتي منها عدم رفع الصوت والصِّياح به؛ قال الله سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].

قَالَ ابْنُ جُرَيْج: «يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَالنِّدَاءُ، والصياحُ فِي الدُّعَاءِ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ» [تفسير ابن كثير (3/ 428)].

أما بخصوص الاجتماع للدُّعاء عند النَّوازل، فمع أصل مشروعيته إلَّا أنّ رفع الضَّرر وحفظ الأنفس مُقدم عليه؛ فقد «قضَى -ﷺَ- أن لا ضررَ ولا ضِرارَ» [أخرجه ابن ماجه]، وقاعدة رفع الضَّرر هذه من قواعد الشَّريعة الإسلامية الحاكمة لغيرها من القواعد، والضَّابطة للعديد من الفتاوى والأحكام؛ لا سيما أحكام النَّوازل، ومسائل الأقضية المُستحدثة.

وقد ثبت بيقين أن التَّجمعات -في هذه الآونة- هي أكبر مُسبِّب للعدوى، وانتشار المرض؛ لذا كانت الدعوة إليها جريمة منكرة، وكان تجنبها واجب شرعي؛ لئلا يُساهم المرء في انتشار المرض؛ فيأثم بذلك أشد الإثم.

وقد قال الإمام ابن حجر -رحمه الله- عن أحوال مشابهة لهذه الظروف: «فليس الدعاء برفعِ الوباء ممنوعًا، ولا مصادمًا للمقدور من حيث هو أصلاً، وإنما الاجتماع له كما في الاستسقاءِ؛ فبدعة حدثت في الطاعون الكبير سنة (749 هـ) بدمشق ... وخرج الناس إلى الصحراء ومعظمُ أكابرِ البلدِ فدعوا واستغاثوا، فعظُم الطاعونُ بعد ذلك، وكَثُرَ، وكان قبلَ دعائِهم أخفُّ!
قلت (أي: ابن حجر): ووقع هذا في زماننا، حين وقع أوَّلُ الطاعونِ بالقاهرة في 27 من شهر ربيع الآخَر سنة (833 هـ)، فكان عددُ من يموتُ بها دون الأربعين، فخرجوا إلى الصحراء في 4 جمادى الأولى، بعد أن نُودي فيهم بصيام ثلاثة أيامٍ، كما في الاستسقاء، واجتمعوا، ودعوا، وأقاموا ساعةً، ثم رجعوا، فما انسلخ الشهر حتى صار عددُ من يموت في كل يومٍ بالقاهرة فوق الألف، ثم تزايد!»

وبناء على ذلك، ومن مُنطَلَق مسئوليَّته الدِّينية والتَّوعوية؛ يُناشد مركز الأزهر العالمي الفتوى الإلكترونية أبناء الشَّعب المصري كافَّةً بضرورة ملازمة البيوت، وعدم الخروج منها إلا لضرورة، ويُبشِّر من قعد في بيته صابرًا راضيًا بقضاء الله بأجر الشَّهيد، وإنْ لم يمُتْ بالوباء؛ لقول سيدنا رسول الله ﷺ: «لَيسَ مِنْ رَجُلٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُث فِي بَيتِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُه إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ؛ إلِّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ» [أخرجه أحمد].

كما يُفتي المركزُ بحرمة مُخالفة الإرشادات الطِّبيَّة، والتَّعليمات الوقائية التي تصدر عن الهيئات المختصة؛ لمَا في ذلك من تعريضِ النَّفسِ والغير لمواطنِ الضَّرر والهلاك.

حَفِظ الله البلادَ والعبادَ من كل مكروه وسوء، ورفع عنَّا وعن العالمين البلاء؛ إنَّه سُبحانه لطيفٌ خبيرٌ.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، والحمد لله ربِّ العالمين.

#الفتاوى_الإلكترونية | #وقاية | #كورونا


كلمات دالة:

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.