فكر و أديان

12 يونيو, 2018

الصوم والانتصار على النفس

الصوم يربي في الإنسان الانتصار على النفس، فترك الصائم كُلَّ رَغِيبَةٍ لَهُ مِنْ أَكْلٍ شهي، وشَرَابٍ عَذبٍ، وَفاكِهةٍ يانعةٍ، وَغَيرِ ذَلِكَ كَزِينَةِ زَوجةٍ أَو جَمالِهَا، وتكرار ذلك على مدار شهر كامل -لا شك- أنه ينصر المسلم على نفسه، ويقوى سلطانُه عليها، حتى يصبح هذا الانتصار خُلُقًا وطبعًا له بعد رمضان.

فشهر رمضان تدريبٌ عَمَلِيٌّ للمسلم على التغلب على شهواته المختلفة كشهوة البطن، والفرج، والنظر، والسمع، والكلام … وغيرها، بحيث يتحرر من أسرها له، وتقييدِها لفِكْره وعقلِه وقلبه، ويتعالى على جواذبها التي تجذبه إلى مستنقعها الآسن، ويخلص نفسه من كل دواعي الاستجابة لإغراءاتها .

وكل ذلك يحتاج إلى صبرٍ ومصابرةٍ ومداومةٍ على الطاعات، يقول الإمام ابنُ رجب الحنبليُّ رحمه الله مبيِّنًا أهميَّةَ مجاهدةِ النفس في سبيل تطويعها وإخضاعها لأوامر الله عز وجل؛ فقال: « فَإِنَّ الدَّاعِيَ إِلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا، لَا صَبْرَ مَعَهُ لِلْعَبْدِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مَعَ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، فَيَحْتَاجُ الْكَفُّ عَنْهَا حِينَئِذٍ إِلَى مُجَاهَدَةٍ شَدِيدَةٍ، رُبَّمَا كَانَتْ أَشَقَّ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ مُجَرَّدِ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ الكَثِيرٌ ممنْ يَجْتَهِدُ فَيَفْعَلُ الطَّاعَاتِ، وَلَا يَقْوَى عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَقَدْ سُئِلَ عُمَرُ عَنْ قَوْمٍ يَشْتَهُونَ الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا، فَقَالَ: أُولَئِكَ قَوْمٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» اهـ انظر: جامع العلوم والحكم.

والانتصار في معركة الشهوات قضية مصيرية بالنسبة للمؤمن؛ لأنه إذا انهزم فيها، وفشل في مقاومتِها، وسلَّمَ لها العَنَانَ أدَّى به ذلك إلى الانهزام في كل معاركه الأخرى، فالشهواتُ حواجزُ تحجز عنه مواردَ التوفيقِ، وصوارفُ تصرفه عن النجاح في أمر آخرته التي هي رأس الأمر كله، والهدف الأسمى من وجود المرء في هذه الحياة الدنيا.

وإن أهم شيءٍ ينتصرُ عليه الإنسان في نفسه هو الانتصار على الرياء الذي تهفو النفس إليه، وتحبُّ أن يَرى الناسُ ما قامت به من عملٍ صالحٍ تتفاخر به، وتُرضي غريزةَ حبِّ رؤيةِ الناس لأعمالها، ويأتي رمضان  ليكون شهرَ الإخلاص بلا منازع، يأتي وقد توفرت فيه كلُّ عوامل النجاح للمؤمن على القضاء على كل دواعي الرياء وأسبابه، وتنمية عنصر المراقبة والتجرد لله عز وجل لديه، ولقد بيَّن اللهُ سبحانه وتعالى أنَّ الذي يريد بعمله عاجلَ الحياة الدنيا، فإنَّه يُعجِّل له فيها ثوابَه إذا شاء، ومصيرُه في الآخرة مفوض إلى الله عز وجل.

وجعَل مُراءاةَ الناسِ بالأعمال من أخصِّ صِفات أهل النِّفاق؛ فقال سبحانه: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاس} [النساء:142].

وبيَّن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في أحاديثَ كثيرةٍ خطورةَ الرياء على دِين العبد، وعاقبةَ المرائين في الدنيا والآخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» رواه ابنُ ماجه.

فهلَّا جاهدْنا أنفسَنا لتُقبَل الأعمال، وتُفتَحَ لها أبوابُ القبولِ، وتنزلَ من الله تعالى منزِلَ الرضا؟!

هلَّا أخلصنا لله في السِّرِّ قبلَ العلَنِ، واستحضرنا مراقبَةَ الموْلَى سبحانه وتعالى لنكون لديْهِ من المحبوبِين؟!

هلَّا علمنا أن المخلِصين لله تعالى هم أهنأ الناس عَيشًا في الدنيا، وأعظمهم أجرًا في الآخرة؟!


كلمات دالة:

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.