شبهات وردود


دعوى التعارض بين القرآن والسنة.
Anonym

دعوى التعارض بين القرآن والسنة.

 دعوى أنه يجب رفض الأحاديث التي تعارض القرآن الكريم .

الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

فالسنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع، فقد كان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ومصداق ذلك قول الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4].
وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين التسليم التام لكلام النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه وحكمه، حتى لقد أقسم بنفسه  أن من سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ثم رده ولم يقبل به: أنه ليس من الإيمان في شيء، فقال عليه الصلاة والسلام: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
ولذلك وقع الاتفاق بين أهل العلم على أنَّ مَن أنكر حجية السنة بشكل عام، أو كذَّبَ حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-وهو يعلم أنه من كلامه- صلى الله عليه وسلم– فهو كافر، لم يحقق أدنى درجات الإسلام والاستسلام لله ورسوله
قال السيوطي رحمه الله في كتابه (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة):
اعلموا رحمكم الله أنَّ مَن أنكر كون حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول- حجةً كفر، وخرج عن دائرة الإسلام. اهـأما مَن رَدَّ الحديث ولم يقبله، مُنكِرًا كونَه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكونه في الظاهر يعارض نصوص القرآن القطعية الثبوت، فليس كالقسم السالف الذكر في الحكم، وهؤلاء نقول لهم: 
إن المنهجية العلمية تقتضي أن ننظر  في أمور مهمة قبل رد الحديث وإنكار أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الشروط هي:
الأول: المناقضة التامة بين ما ورد في الحديث وما ورد في القرآن الكريم من نص واضح الدلالة غير منسوخ، ونؤكد هنا على قيد (المناقضة التامة) وليس مجرد تعارض ظاهري يبدو في ذهن الناظر العجِل، ولعل أولئك الذين يخوضون في إنكار الأحاديث يوافقوننا على هذا التقييد؛ لأن غالب التعارض الظاهري الذي يعرض في أذهان كثير من الناس لا حقيقة له، وإنما هو ظنٌّ قائمٌ في ذهن المعترض، يمكن بالتأمل وتلمس أوجه اللغة والمعاني الجواب عليه، وبيان موافقته لأصول الشريعة ومقاصدها، ومن تأمل كتاب العلامة ابن قتيبة الدِّينَوَرِي  المسمى (مختلف الحديث)، عرف قدر المجازفة التي جازفها كثيرون في إنكارهم الأحاديث بدعوى عدم موافقتها للقرآن، أو عدم تصديق العقل بما فيها، ثم إذا ذكر ابن قتيبة تفسير العلماء الصحيح لهذه الأحاديث تبين أن لها أوجهًا صحيحة موافقة للشريعة، وأن توهم المعارضة للقرآن إنما هو ظنون فاسدة .
إننا نسأل هؤلاء وأمثالهم ممن يتجرأ على رد السنة، والطعن في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من غير منهجية علمية، أو أصول نقدية مقبولة، ومن غير أن يحكموا أصول العلم الذي يتحدثون فيه، نقول لهم: 
هل ترون أن مِن الممكن أن يناقض الحديثُ القرآن الكريم مناقضة تامة بحيث يجزم الناقد بأن هذا الحديث ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ونرى -مع ذلك- جميع علماء الإسلام، من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، متوافقين على قبول هذا الحديث وشرحه وتفسيره والاستدلال به والعمل بما جاء فيه ؟!
ألا يقضي العقل السليم –الذي يزعم الزاعمون التحاكم إليه– باحترام اتفاق أهل التخصص على أمر هو في صلب تخصصهم ؟!
هل يجرؤ أحد على تخطئة علماء الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو علوم التربية أو الاقتصاد –مثلًا- إذا اتفقوا وتواردوا على أمر معين، خاصة إذا لم يكن المعترِض عليهم من أهل العلم بذلك التخصص، وإنما غاية أمره أن يكون قد قرأ بعض المقالات حوله، أو شيئا من كتب: تبسيط العلوم، أو: العلم لكل الناس ؟!
الثاني :وجود حلقة من حلقات الضعف الإسنادي، التي تتحمل الخطأ الوارد في المتن :
ونظن – كذلك– أن هذا الشرط منهجيٌّ قويم، لا ينبغي أن يخالف فيه من يفهم شيئًا في أصول النقد العلمي؛ وذلك أن إنكار المتن أن يكون من كلام النبي عليه الصلاة والسلام يعني وجود حلقة ضعيفة في السند هي التي أوهمتنا أن هذا الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو –فعليًّا- ليس كذلك.
إن أول ما يجب على من رد حديثا مسندًا إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يبحث ويفسر من هو الراوي الذي أخطأ في نقله هذا الحديث، فإذا لم يجد المُنكِرُ سببًا إسناديًّا مقبولًا لإنكاره الحديث فذلك علامة على خطأ منهجيٍّ، وهو علامة أيضا على ضرورة مراجعة فهم الحديث والقرآن والمقاصد الشرعية .
فكيف إذا كان الحديث واردًا بأصح الأسانيد على وجه الأرض، بل كيف لو كان الحديث قد ورد بطرق كثيرة جدًا – كما هو حال أكثر الأحاديث التي يردها التنويريون- وعن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم؟!
الشرط الثالث:
نسبة الأمر كله إلى الاجتهاد المحتمل، ونبذ أساليب الجزم والحسم، واتهام المخالف، والطعن في عقول المسلمين، وهذا فيما إذا كان هناك وجهٌ لهذا الاحتمال، وكان من يتكلم في هذا مؤهَّلًا -بأدوات البحث اللازمةـ  لإدراك ذلك والبحث فيه.
فقد يبدو لأحد العلماء ضعف حديث معين لعلة معينة، ولكنه لا يستعمل لغة الاتهام لكل من قبِل الحديث .
فمن خالف هذه الشروط الثلاثة، وأصر على إنكار الحديث وتكذيبه، فهذا على خطر عظيم؛ إذ لا يجوز للمسلم أن يتأول متهجمًا من غير شروط ولا ضوابط، وإلا أثم ووقع في الحرج .
وعليه؛ فإنه لا يوجد تعارضٌ بين القرآن العظيم وبين السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن تُوُهِّمَ بينهما  تعارضٌ، فإنه لا يعدو أن يكون تعارضًا ظاهريًا، يمكن الجمع بينهما، فإن تعذر الجمع فالترجيح للقرآن قطعيِّ الثبوت والدلالة معًا، وإلا فقد نسخ أحدهما حكم الآخر، وهذا في السُّنَّة الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام، أما ما لم تثبُت فلا علاقة لنا بها.
هذا، والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الموضوع السابق سماحة الإسلام
الموضوع التالي هل حديث منع الكلاب الملائكة من دخول البيت من الإسرائيليات؟
طباعة
812 Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.