مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية


هجرة الأنصار 2

  • | الأحد, 9 سبتمبر, 2018
هجرة الأنصار 2

هذا وقد كان الأنصار من أهم أسباب نصر المسلمين يوم حنين، فقد انهزم المسلمون أوَّل الأمر، ولكن شجاعة الأنصار وسرعة التفافهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم- أعادت إلى المسلمين تماسكهم وإقدامهم، فتحقق النصر الكامل لهم، وبعدها أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على الغنائم يقسمها بين المسلمين، فإذا الأنصارُ أقل الناس نصيبًا، في حين أنهم كانوا يتوقعون أن يكونوا أعظم المسلمين حظًّا لما أبلوه وما حققوه من نصر، وعندئذ أخذت تسري همهمة قوية من الفتن والإشاعات بين الأنصار، وغضبوا لقلة نصيبهم من الغنائم، وتوهمهم أن ذلك قد يصغر من شأنهم بين الناس، وقد ناقشهم النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا جمعهم بصورة تهزُّ النفوس، وتخلع القلوب، حيث شبه كل هذه الغنائم والأموال التي يتزاحمون عليها بشيء من النبات الضعيف الصغير وهو اللُّعاعة، مشيرًا إلى أن متاع الدنيا كله تافهٌ يسير لا ينبغي أن يكون موضع التزاحم والتخاصم، ثم بين الحكمة في إيثار بعض القبائل الأخرى على الأنصار في أنصبة الغنائم، وهي (تألفت بها قوما ليسلموا)، أما الأنصار فهو واثق من إسلامهم، ولذلك لم يكونوا في حاجة إلى أن يعطيهم ما يستميلهم به، ولذلك يقول لهم: (ووكلتكم إلى إسلامكم)، فقد ساق لهم النبي صلى الله عليه وسلم  ثلاثة معان: أحدها تفاهة :متاع الدنيا مهما كثر، والثاني أن كثرة العطاء ليست دليلا على علو الشأن، بل على العكس دليل على عدم الثقة في إيمان معطاها، الثالث: أن النبي مطمئن إلى إسلام الأنصار، ولذلك لم يكن في حاجة إلى أن يتألف قلوبهم.

ولما خاف الأنصار من أن يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم ويقيم في مكة موطنه الأصلي، بعد أن فتحها، حسم النبي هذا المعنى بأسلوب لم يُعرَف أشد منه وقعا في النفوس وأبلغ منه تغلغلا في المشاعر، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- لا يكتفي بأن يقول لهم: إنه سيرجع معهم إلى المدينة، وإنما يقارن كسب الأنصار في رجوعه معهم بكسب غيرهم من شياه الغنائم وإبلها، حيث يقول في صورة السؤال الذي يجسد هذا المعنى في نفوسهم: «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ ».

وبهذا تكون كلمته صلى الله عليه وسلم قد حسمت الموضوع بصورة تقلب كيان تفكير الأنصار كله، حيث بيَّنت لهم من حيث الغنائم أن أنصبة الغنائم لعاعة تُسَخَّر لخدمة الإسلام، فلا ينبغي للمؤمن أن يجعلها هدفا وغاية لجهاده في سبيل الله ، ومن حيث الإقامة بينت لهم كلمته عظم نصيبهم إذا قارنوا استئثارهم بشخص النبي-صلى الله عليه وسلم- في إقامته بينهم بنصيب غيرهم من الإبل والغنم.

ثم محا بكلمته ما ظنَّه الأنصارُ من أن موقفهم هذا قد يغير قليلا أو كثيرا من حُبِّ النبي-صلى الله عليه وسلم- وإيثاره لهم، فأكَّد لهم بأكثر من صورة أنه لم يغير رأيه فيهم، ولا موقفه منهم، بل يكشف لهم عن جوانب من حبه لهم لعله لم يكشفها لهم قبل اليوم بهذه الصورة أو بهذه الدرجة من الوضوح، فيقول لهم: «فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار» فماذا يتمنى الأنصار أبعد من هذا؟، وأي حلم يراود أمانيهم أعظم من أن الرسول-صلى الله عليه وسلم- يتمنى أن يكون واحدا منهم لولا أن الهجرة في سبيل الله منزلة رفعها الله وهو فيها، فلا يملك خفض شيء رفعه الله. وأي خيال في الأماني والأحلام راود نفوسهم أعظم من أنهم لو كانوا في طريق والناس جميعا في طريق آخر، فالنبي يترك طريق الناس جميعًا ويختار طريقهم؟

ثم إن النبي-صلى الله عليه وسلم- بيَّن لهم أن هذا الرضا من جانب النبي ليس منصبًّا على الرجال الكبار من الأنصار الذين تربطهم بالنبي صلة مباشرة وثيقة فحسب، بل إنَّ هذا الرضا يشمل الشباب والصغار أيضًا، بل يذهب بهم إلى أبعد الاحتمالات في كسب القلوب، حيث راعى جيلا قادما من الأنصار لم يوجد بعد، هذا الجيل سينقل إليه هذا الموقف من أجداده الأنصار، وقد يقولون أو يقال لهم: لعل النبي وجد في نفسه شيئًا من موقف آبائكم أو أن موقف أجدادكم كان كذا وكذا، فكلمته-صلى الله عليه وسلم- هنا تشير إلى مراعاة هذا المدى البعيد بالإضافة إلى كسب قلوب الأنصار أنفسهم بالدعاء لأبنائهم وأبناء أبنائهم، فيقول لهم - صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار »، ولهذا كان أبلغ ما أجاب به الأنصار النبي هو دموعهم الغزيرة التي تدفقت من قلوب ملأها الحب والإيمان، وهزها الندم والتأثر، وإذا هذه الدموع تظل تنهمر حتى تبلل لحاهم، ثم يقولون: (رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا)، فهاجروا بذلك هجرةً جديدةً في معانيها، بعيدةً عن حبِّ الدنيا والتعلقِّ بها، راضين فخورين بكونهم رجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالهم، وغيرهم رجع بلعاعةٍ من الدنيا لا تُساوي في نظر العاقل شيئًا، فاللهم ارزقنا هجرةً كهجرة الأنصار، ورضًا بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا كرضا الأنصار، آمين آمين آمين.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.