27 أبريل, 2020

تأملات رمضانية

تأملات رمضانية

التخلية يبدأ بها السالك في طريقه إلى الله، وتعقبها التحلية، حتى ترتقي النفس وتصفو فتصل إلى معراجها الحقيقي، ويشرِّع الله لعباده ما يوصلهم إلى هذا المعراج، ومن تلكم التشريعات الإلهية الصيام، كتبه الله على المسلمين ووضع له نظاما خاصا به، وأنزل فيه قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". 
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك».
وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُبشِّرُ أصحابَهُ، فيقولُ: «قد جاءَكم شهر رمضان شهرٌ مباركٌ، كتبَ اللهُ عليكم صيامَهُ، فِيه تُفتَّحُ أبوابُ الجنّةِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغلُّ فيه الشياطينُ، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم» رَواهُ أحمدُ والنسائيُّ
وأنشد بعضهم 
جاء شهرُ الصيامِ بالبركاتِ ... فأكرِمْ به مِنْ زائرٍ هُوَ آتِ
وغير ذلك من النصوص التي تبين فضل هذا الشهر الكريم، وما يجب على المسلمين القيام به جراء هذه النفحة الربانية والمنحة الصمدانية، ولكن ها هنا أمر ينبغي علينا أن نتأمله ونحاول جاهدين أن نوضحه، وهو: أن هناك مداخلا لحصول آثار هذه النفحة الإلهية التي تنتهي بالعتق من النيران، ويا له من فضل وتكرمة من الله الكريم، وهي مبثوثة في النصوص من القرآن والسنة ومن كلام العارفين، وأحاول أن أبدأها بمفتاح الوصول إلى هذا الفضل.
فأقول: إن مفتاح الوصول هنا هو الدخول من باب العبودية، قال تعالى: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني"
فالمسلم يستمع إلى قوله تعالى:
 " يا أيها الذين آمنوا" فيقف متأملا ويسأل نفسه سؤالا : لماذا وقع الخطاب الإلهي بلفظ الإيمان ثُمَّ أُردفَ بتكليفٍ بعملٍ، وها هنا يتوارد على القلب أن الخطاب هنا من مقام الحكمة الجامعة؛ فتقف بتفصيل ما يخاطبك به على العلم بما أراده منك في هذه العبادة، وهذا يعني أن الخطاب سيؤثر وتتأتى ثماره بمن تحقق بالعبودية فاستوى ظاهره وباطنه ؛ فلم يصم عن الطعام والشراب فقط، بل صام بِكُلِّه، فصامت جوارحه عن الأذى ورد الحقوق إلى أهلها، وصام قلبه عن الأغيار ، فالصوم صمدانية، وهو تنزه عن التغذي، وحقيقة المخلوق التغذي، فطلب منك أن تخرج عن حقيقتك لتصل إليه، والمخلوق يتغذى بالشهوات سواء أكانت حسية أم معنوية، فرب رجل يصبر على الجوع والعطش ولا يصبر على الأذى والغيبة وأكل أموال الناس بالباطل، وكل هذا محرم شرعا، وفي الحديث:" رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"
ومما يوضح هذا قوله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتقدم ذكره: " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي"
واختلفت أراء شراح الحديث هنا، حيث جمع أحد علماء المسلمين في معنى " لي": خمسين قولا، وهذا ليس بعجيب؛ لأن قوله" لي" : واقع في مقام الفضل وهو لا يحصى ، ولكن إذا ربطنا بين هذا الحديث، وبين قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، ووضعنا قوله تعالى: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني" معهما؛ لخلصنا إلي أن سيدنا موسى صبر وصابر واحتسب عند الله، مع الإخلاص التام النابع من مكانته- صلى الله عليه وسلم - وهذا  يعلمنا  أن مفتاح الوصول إلى الله تعالى  هو التحقق بالعبودية التي ذكرت في الآية الكريمة ، وأن هذه العبودية لا تتحقق إلا بالإخلاص، وأن أنبياء الله تعالى مع اصطفائهم من المولى عز وجل؛ علمونا أن طريق الوصول إلى الله تعالى يكمن في الإخلاص والتجرد من الدنيا وحظوظها الفانية، وكل هذا تجمعه العبودية، وها هو سيد ولد آدم ولا فخر يقول:" أفلا أكون عبدا شكورا".  
فيا أيها الغافل اخرج من عبوديتك نفسك وشهواتها إلى عبودية الحق تعالى، فتتنزل عليك الأنوار، وتكون من الأبرار.
وختاما قال بعض العارفين:
الصومُ تَرْكٌ وهذا السرُّ واللهِ
ينبيك حِسّاً بأنَّ الصومَ للهِ

فكم أتيتَ بأمرٍ أنت فاعلُه
والحُسنُ والقُبحُ لليقظانِ واللاهي

وكلٌ شخصٍ أتى فعلاً ليبرزهُ
فهو الأجيرُ برغم المُلكِ والجاهِ

وليس يجزيك عن تركٍ بحكمتِهِ
غير الجوادِ فسل أو لا تسل ما هي

الواعظ / عبدالعزيز معروف

عدد المشاهدة (439)/التعليقات (0)

كلمات دالة: اخبار1441