الواقع المعيش في الهند بين المسلمين والهندوس

  • 26 ديسمبر, 2016
الواقع المعيش في الهند بين المسلمين والهندوس

     في مجتمع يزيد تعداده عن مليار نسمة، ويتحدث أهله مئات اللغات، ويدينون بعشرات الديانات، كتب الهنود- مسلمين وسيخ وهندوس - صفحات ناصعة البياض في التعايش السلمي والتسامح الديني. تهتم وحدة رصد اللغة الأردية بمرصد الأزهر بالشأن الهندي والباكستاني، كما أنها معنية بأحوال مسلمي الهند باعتبارهم أكبر أقلية أو بمعنى أصح ثاني أكبر أكثرية بعد الهندوس؛ ولذلك نقوم بتتبع أحوالهم وما يتعرضون له من مشاكل اجتماعية أو دينية، وكذلك بالهجمات الإرهابية التي تتعرض لها هذه البلاد، وعندما أجرينا إحصائية بعدد الضحايا من هجمات إرهابية في الهند وجدنا أنها تقريبا صفر!! والذي يؤكد إلى حد كبير ما أشرنا إليه في البداية أنهم استطاعوا أن يثبتوا لأنفسهم وللعالم أن الاختلاف لا يجب أن يؤدي إلى خلاف وصراع.
مما لا ريب فيه أننا كثيرًا ما نرصد أخبارًا سلبية عن أحوال المسلمين في الهند، وقد وصل الأمر إلى قتل رجل مسلم مسن على يد هندوس؛ لاشتباههم بتواجد لحم بقري في منزله. فإن كثيرًا ما يصدر لنا الإعلام والصحافة الأردية في الهند صورة مليئة بالتوتر والطائفية، ولعل في الفترة الأخيرة صدَرتْ للعامة أن الأحوال في الهند قد ازدادت توترًا وعنفًا خاصة بين الهندوس والأقليات (المسلمين، وطبقة الداليت، وغيرهم)، حيث استمر الحديث عن قضية "حماة الأبقار"، ومحاربتهم لمن يتجرأ على هذا الرمز المقدس لديهم ما يقرب من عام كامل؛ ليعرض الإعلام من خلاله أن الحياة في الهند ما هي إلا دماء في دماء.
ولكن يبقى السؤال، هل الواقع الذي يعيشه أهل الهند بكافة أطيافهم ودياناتهم هو ما يصوره لنا الإعلام؟ وإن كان كذلك فَلِماذا يُصر المسلمون وغيرهم من الأقليات على العيش في الهند؟ ولمعرفة الإجابة على هذين السؤالين سنحاول في هذا التقرير إلقاء الضوء على حقيقة الحياة وطبيعتها -خاصة بين المسلمين والهندوس- من خلال إلقاء الضوء على أخبار بعض الصحف الهندية، التي عرضت مقتطفات من واقع الحياة في الهند.
    يشكل المسلمون في الهند 14.2% من إجمالي عدد السكان، بينما يشكل الهندوس 79.8% من المجموع الكلي للبلاد، وقد يبدو للمتابع للصحافة الهندية أن المسلمين يعيشون في ظروف قاسية ولا يعملون إلا في المهن الدنيا، ولكن تتغافل هذه الصحافة أحادية الجانب أن الجامعات الهندية مليئة بأساتذة مسلمين في مختلف التخصصات، ليس هذا فحسب بل يوجد جامعات إسلامية خالصة كـ"الجامعة الملية الإسلامية"، و"جامعة علي كره الإسلامية"، و"جامعة محمد علي جوهر"، وقائمة طويلة من الجامعات والكليات الإسلامية المختلفة المنتشرة في كافة أنحاء البلاد يدرس فيها الهندوس والمسلمون معًا.
    ومن أجل أن تتضح الصورة كاملة كان لابد من استعراض بعض الأخبار التي تصور جانبًا إيجابيًا يعكس الصورة الأولى التي صدرتها الصحف الهندية ذاتها. ونبدأ مع شخص يُدعى "آر جى نافيد" الذي أجرى تجربة اجتماعية حية لمعرفة هل سيدافع أهل البلد الواحد المختلفون في دياناتهم في حالة إذا ما تعرض أحدهم لإهانة لفظية، وقام بتصوير مشهد يقوم هو بأدائه، حيث أظهر مقطع الفيديو أن "نافيد" ذهب إلى مناطق ذات أكثرية مسلمة وأخرى ذات أكثرية هندوسية فهاجم الهندوس في المناطق ذات الأكثرية المسلمة، والمسلمين في المناطق ذات الأكثرية االهندوسية، وكانت النتيجة أنه لم يقبل طرف مهاجمة الآخر، وأكد الطرفان أنهما يحترمان حرية الآخر،وأن المسلمين والهندوس أخوة، وأن الهند بلدهم جميعًا، وهم شركاء في كل شيء. ولعل قيام "نافيد" باستخدام التهكم اللفظي لإثارة حمية الشعب الهندي، والتي بدورها أوضحت أنهم كتلة واحدة بغض النظر عن دياناتهم المختلفة.
على الرغم من أن الخبر يؤكد التعايش السلمي بين المسلمين والهندوس إلا أن عنوان الخبر  يدعو إلى الاعتقاد بأن ما حدث من تلك التجربة بلا أدنى شك كان سلبيًا، والسبب في ذلك هو أن الأخبار السلبية تعم بنسبة 95% من الصحافة إن لم يكن في بعض الأوقات 100%، حيث جاء العنوان: "ماذا حدث عندما ذهب "آر جى نافيد" إلى المنطقة الإسلامية، وتحدث ضد الهندوس؟".
وإن كان الهندوس يبغضون المسلمين ويريدون إجلاءهم عن الهند فلِمَ تمدح زبائن "حميدة" -سائق سيارة أجرة- على حجابها، وهي سيدة تمسكت بحجابها أثناء العمل، ولم تخشمن لوم النساء الهندوسيات لها أو من الاستهانة بها، بل على العكس تمامًا حيث أقرت بأن زبائنها يحترمونها بسبب حجابها، فكيف يحترمونها وهي تخالف معتقداتهم؟
    وإن كان الوضع في الهند على أشدِّه بين المسلمين والهندوس، فكيف لقاضٍ هندوسي أن يمدح في النبي "محمدًا" بل ويشيد برسالته كأعظم رسالة في المساواة، حيث صرح القاضي "راجيندر سرشار" - رئيس محكمة دلهي العليا السابق - في ندوة بعنوان "الإسلام والعصر الحديث" بالجامعة الملية الإسلامية بأن العرب ليسوا متفوقين على غيرهم، وذي البشرة البيضاء ليسوا متفوقين على ذوي البشرة السمراء والنبي "محمد" (صلى الله عليه وسلم) أعطى أعظم رسالة في المساواة منذ قرون. وأشار إلى خطبة الوداع للنبي "محمد"(صلى الله عليه وسلم) في الحج، وصرح بأن رسالته تنظر إلى الجميع بمساواة، لم يكتف بهذا بل ذكر نص خطبة النبي(صلى الله عليه وسلم) التي قال فيها: "أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مِنِّي أُبَيِّنْ لَكُمْ؛ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي مَوْقِفِي هَذَا... إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ وَلَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ!". وأخذ يعطي منها أمثلة على إقرار العدل والمساواة في الرسالة المحمدية منذ القرن السابع الهجري. كما عقب على تقرير للأمم المتحدة الذي نشر في عام 2011م عن التسامح، وأنهم لم يأتوا بجديد، فقد تحدث النبي "محمد"(صلى الله عليه وسلم) عن هذا الأمر منذ قرون.
    وإن كان الكره سائدًا في نفوس الهندوس تجاه المسلمين في الهند فكيف له أن يمدح رسالة النبي "محمدًا"؟!
    وعندما يتعلق الأمر بالكراهية ونبذ الآخر، فكان من الأولى أن يبادر الشباب بالكراهية والعنف، خاصة وأن الصغير دائمًا لديه انفعالات نفسية يتأثر بها من البيئة المحيطة له، وهناك – على حسب ما ينشر ويقال في وسائل الإعلام- كراهية وعداء بين الهندوس والمسلمين، فحتمًا كان من الطبيعي أن يكون له رد فعل انفعالي عدواني؛ إلا أن الواقع يخالف ذلك تمامًا فكان للشباب دورٌ في مساعدة غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، حيث نشرت صحيفة "Indian Express" الهندية أن ثمانية من الشباب المسلم من مدينة "مومبرا ماهشترا" قاموا بالطقوس الأخيرة لتشييع جثمان رجل هندوسي يبلغ من العمر (65) ويدعى "وامان كادام"، والذي لم يتواجد مع زوجته أثناء تشييع جثمانه أحد؛ وتحمل الشباب مسئولية الجنازة كاملة وشراء كافة الأشياء الضرورية لها، وحملوا الجثمان إلى المحرقة.
    كما أنه كيف للمسلمين أن يشاركوا ويقفوا يدًا بيد في أعياد الهندوس واحتفالاتهم المخالفة تمامًا لشريعتهم، فحين قامب عض المسلمين بتوفير الزينة من أجل الاحتفال بعيد "جانيش" إله الهندوس يوم في مدينة "أحمد آباد"، لم يتعجب أحد في الهند (على اختلاف دياناتهم) من هذا الفعل.

 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن إنشاء أول بنك للمعاملات الإسلامية في ولاية "مهارشترا" والذي افتتحه زعيم حزب بهاراتيا جاناتا "سوبهاش ديشموخ"-وهو الحزب الذي دائمًا ما تصفه الصحف وتصوره بالحزب الأكثر عداءً للديانات الأخرى خاصة الإسلام- أمر يستحق التفكر والتدبر. فكيف للحكومة الهندية صاحبة الديانة الهندوسية أن تقوم بإمداد البنك بمبلغ (25) مليون روبية من أجل التيسير على من يمتنعون عن التعامل مع البنوك الأخرى بسبب الفوائد الربوية، فإن كانت حكومة الهند تفكر بشكل عنصري فكيف لها أن تسعى لإسعاد المسلمين والارتقاء بهم اقتصاديًا؟ وهو الأمر الذي صرح به رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي"، والذي أكد على ضرورة إعطاء القروض إلى المسلمين الفقراء. بل لم يكتفوا بإنشاء فرع واحد للبنك؛ بل قاموا بإنشاء (9) أفرع له، الأمر الذي بدوره سيساعد في إعانة المسلمين الفقراء على العيش الكريم في مختلف المناطق.
مما لا شك فيه أنه من الصعب أن تجد مجتمعًا آمنًا سالمًا خاليًا من الاختلاف أو الخلاف، فالاجتماع على رأي والاتفاق عليه شيء صعب خاصًة في بلد مثل الهند الذي تتميز بتنوع الثقافات واللغات والديانات، إنها قارة يا سادة!!
ولكن الأمر الذي نريد طرحه هو أن الإعلام يجب أن يكون محايدًا ويعمل على تسليط الضوء على الإيجابي والسلبي خلال عرضه للواقع. لا سيما وأن العالم لم يعد يتحمل مزيدًا من النزاعات والحروب، لابد من دعم مبادئ الحرية وقبول الآخر، وأن نصل إلى نقطة التقاء، وأن نتأكد أن الاختلاف من سنن الله على أرضه "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".

وحدة رصد اللغة الأردية

    

Print
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
No rating

Your name
Your email
الموضوع
ادخل رسالتك
x