| 15 مايو 2024 م

القدس عربية.. بـ"التوراة" والتاريخ وشهادات اليهود

  • | الخميس, 18 يناير, 2018
القدس عربية.. بـ"التوراة" والتاريخ وشهادات اليهود

ماذا تقول نصوص التوراة عن فلسطين؟ هل هى الأرض التى اختارها الله وطناً لبنى إسرائيل؟ وبالتالى يكون لليهود حق مشروع فى الوجود عليها، أم أن هذه الأقاويل والتاريخ الذى يروجه الكيان الصهيونى مجرد مزاعم وأكاذيب نسجتها مخيلاتهم لتبرير احتلالهم للأراضى العربية؟ وما رأى أعلام اليهود على مدار المائة عام المنصرمة فى قضية إقامة «وطن يهودى» تكون القدس الشريف عاصمة له؟ وما الذى وثقته المصادر التاريخية منذ بداية التأريخ وحتى الآن فى هذا السياق؟.. «صوت الأزهر» تجيب من خلال التقرير التالى عن هذه التساؤلات وغيرها.

نصوص التوراة

الدكتور سامى الإمام، أستاذ الديانة اليهودية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر، يؤكد أنه لا توجد أى نصوص فى التوراة تثبت وجود حق لليهود فى فلسطين، بل إن الثابت تاريخياً ودينياً أن اليهود لا وطن لهم؛ لأن المولى عز وجل عاقبهم بالقتل والشتات فى أنحاء الأرض جراء معصيتهم ومخالفتهم للأوامر الإلهية وتجبرهم واستعلائهم فى الأرض، وقد ذكرت التوراة هذه العقوبة فى أكثر من نص، حيث يقول أحد النصوص: «لأن أحكامى رفضوها وفرائضى لم يسلكوا فيها»، ويقول النص الثانى: «من أجل أنكم لم تسلكوا فى فرائضى ولم تعملوا حسب أحكامى»، ويقول النص الثالث: «من أجل أنك - والضمير هنا يعود على بنى إسرائيل - نجست مقدسى بكل مكرهاتك، وبكل أرجاسك فأنا أيضاً أجزّ ولا تُشفق عينى وأنا أيضاً لا أعفو، ثلث يموت بالوباء وبالجوع يفنون، وثلث يسقط بالسيف، وثلث أذريه فى كل ريح وأستل سيفاً وراءهم».

ويضيف أن نصوص التوراة التى ذكرناها قررت نوع العقاب وطبيعته؛ فالناظر إلى النص الثالث الذى يقول:».. فأنا أيضاً أجزّ ولا تُشفق عينى وأنا أيضاً لا أعفو، ثلث يموت بالوباء، وبالجوع يفنون، وثلث يسقط بالسيف، وثلث أذريه فى كل ريح وأستل سيفاً وراءهم»، يُدرك أن ما تبقى من الإسرائيليين وهم الثلث الأخير الذين أُشير إليهم بنص: «وثلث أذريه فى كل ريح وأستلّ سيفاً وراءهم» حكم الله عليهم جزاًء لعصيانهم ومخالفتهم أوامره وإتيانهم نواهيه، وعودتهم لعبادة الأوثان، واقتراف الآثام، بالشتات فى أنحاء الأرض، ومعنى «أذرّيه فى كل ريح» هو تشتتهم فى أنحاء الأرض، وكلمة «كل ريح» فى النصوص القديمة تعنى فى جميع اتجاهات الأرض؛ الشمال والجنوب والشرق والغرب.

ويشير إلى أن آيات القرآن الكريم صدقت على ما ذكرته نصوص التوراة من عقوبات إلهية لحقت باليهود بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم؛ فنص التوراة الذى يقول: «وثلث أذريه فى كل ريح»، وهو الثلث المتبقى بعد إفناء البقية بالوباء والجوع والقتل بالسيف، صدقه القرآن الكريم فى سورة الأعراف، حيث يقول الله تعالى: «وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَماً  مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ  وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»، وكذلك استمرار غضب الله عليهم طول الزمان، وإرساله أو تسليطه من يعذبهم إلى يوم القيامة، والذى أشار إليه نص التوراة القائل: «أستل سيفاً وراءهم»، والنص القائل: «لأنكم قد أضرمتم ناراً بغضبى تتقد إلى الأبد»، يصدقه القرآن الكريم فى سورة الأعراف، حيث يقول الله تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ  إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ  وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ».

ويوضح أن المصادر التاريخية تؤكد أن اليهود لم يستوطنوا فى فلسطين، وأنها لم تكن يوماً وطنا لهم كما يزعمون؛ بل إنهم كانوا يأتون لزيارتها فقط من «بلاد الشتات» ثم يعودون مرة أخرى من حيث جاءوا، وكانت هذه الزيارات بهدف الحفاظ على شعائرهم الدينية؛ مشيراً إلى أنه لو كانت فلسطين وطناً لليهود كما يدعى الصهاينة حالياً، فلماذا اعترضت كبار الشخصيات اليهودية أمثال: «ألبرت أينشتاين»، و«يهودا ماجينس»، و«ليبوفيتش»، و«مارتن بوبر»، وغيرهم على فكرة إقامة «وطن يهودى»، واصفين هذه الدولة وهذا الوطن المزعوم بأنه أشدّ خطراً على اليهود أنفسهم، وعلى الديانة اليهودية، وذلك على الرغم من المذابح التى تعرضوا لها فى شرق العالم وغربه.

ويذكر «يهودا ماجينس» - رئيس الجامعة العبرية بالقدس - فيقول فى خطابه بمناسبة بدء الدراسة بالجامعة العبرية عام 1946 ميلادية:  «صوت اليهود الجديد يتحدث بلسان البنادق.. تلك هى التوراة الجديدة، لقد ارتبط العالم بجنون القوة المادية، ولكن السماء لن تحمينا من أن ترتبط اليهودية وشعب إسرائيل بذلك الجنون، إننا لا نستطيع أن نوقع عقداً مع مجتمع أصبحت فيه القومية عقيدة مفروضة، وفى ضوء رؤيتنا العالمية لتاريخ المصير اليهودى، ولأننا قلقون على الوضع الأمنى لليهود فى مناطق أخرى من العالم، فإننا لا نستطيع أن ننضم إلى الاتجاه السياسى الذى يسيطر على البرنامج الصهيونى الحالى، ولن نؤيده؛ إننا نعتقد أن القومية اليهودية تعمل على خلق الفوضى بين شركائنا فيما يخص وضعهم ودورهم فى المجتمع وتحرف من دورهم التاريخى: وهو الحياة داخل مجتمع دينى فى أى مكان يوجدون فيه». 

ويذكر «رجاء جارودى»، المفكر والفيلسوف، الذى كان فى بداية حياته يهودياً، ثم أصبح بروتستانتياً، وأخيراً اعتنق الإسلام عام 1982 ميلادية، يقول: «بالنسبة لى شخصياً فإننى لم انتبه إلا مؤخراً للتعارض الراديكالى بين الصهيونية واليهودية، والتناقض الأساسى داخل الصهيونية: فقد نشأت القوميات فى أوروبا فى القرن التاسع عشر واعتنقها «تيودور هيرتزل»، ولإيجاد مبرر قوى لها احتاجت تلك العقيدة السياسية التى أطلقها العلمانيون أمثال «هيرتزل» نفسه، و«بن جوريون» و«جولدا مائير» وكل المؤسسين للصهيونية، إلى استعادة النصوص التوراتية لأرض الميعاد، ولم يكن من الممكن إذن أن يتطوروا إلا بمساعدة أكثر العبارات تطرفاً فى التوراة من أجل إقناع العالم أن أرضاً مغتصبة هى أرض الميعاد؛ إنهم يطالبون بملكية تلك الأرض التى يزعمون أن الله - الذى لا يؤمنون به - منحهم إياها».

نتائج إجرامية

ويضيف «رجاء جارودى»، «وبالنسبة لى فلم أتمكن من فهم ذلك التناقض إلا بعد أن تعاملت مع نتائجه الإجرامية منذ 1933 ميلادية، ومن خلال قراءتى للكتاب المقدس دخلت إلى العائلة الإبراهيمية العالمية الكبرى ولم أتخل عنها منذ ذلك الوقت، فقد تعلمت من تضحية إبراهيم أن القيم الصغيرة التى نتبناها ومنطقنا المحدود لا يستوعب كل تلك القيم النهائية والإلهية التى تتجاوزنا، لقد تعلمت من نصوص سفر الخروج - الذى أطلق عليه فيما بعد «لاهوت التحرير» - بالنسبة إلى كل ما له علاقة بعمليات القمع والاستبداد، وتعلمت من سفر «يوشع» أن الرجل الذى يسكن فيه الله هو رجل لا يقهر وهو قادر حسب النص الدينى أن يوقف حركة الشمس أو أن يدمر الشر بين البشر، وذلك رغم أن النص كتب باللغة البدائية لذلك العهد، لأن الإله لا يتحدث إلى الإنسان إلا من خلال الرموز والإنسان لا يتحدث عن الله إلا بالتعبيرات المجازية».

المشروع الصهيونى

الدكتورة هدى درويش، مدير مركز الدراسات الإسرائيلية بجامعة الزقازيق، تؤكد أن المشروع الصهيونى الكبير - الذى يطمح من خلاله اليهود إلى احتلال الأراضى العربية من النيل إلى الفرات حتى يصبحوا سادة العالم - يستند إلى زعم الصهاينة بأن النصوص الواردة فى التوراة هى التى تدعوهم إلى إقامة وطن لهم فى فلسطين؛ حيث يزعم هؤلاء أن هناك نصا فى سفر «يوشع»، يقول: «وكان بعد موت موسى عبدالرب، أن الرب كلم يوشع بن نون - خادم موسى - قائلاً: موسى عبدى قد مات، فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت، وكل هذا الشعب إلى الأرض التى أنا معطيها لهم، كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى، من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحيثيى، وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم».

الدكتورة هدى درويش، تشير إلى أن النصوص التوراتية التى يعتمد عليها اليهود فى تبرير احتلالهم لأرض فلسطين، محرفة ومليئة بالشر؛ فجميعها تستبيح دماء الأبرياء وتدعو إلى احتلال المدن، وهناك نص فى سفر «ميخا» - إصحاح 4 فقرة 13 وصايا الحرب فى العهد القديم - يؤكد على هذا، حيث يقول: «قومى ودوسى يا بنت صهيون، لأنى أجعل قرنك حديداً، وأظلافك أجعلها نحاساً، فتسحقين شعوباً كثيرين، وأحرّم غنيمتهم للرب، وثروتهم لسيد كل الأرض».

مدير مركز الدراسات الإسرائيلية بجامعة الزقازيق، توضح أن البحث التاريخى والعلمى، لميلاد مدينة القدس، يؤكد أنها فى الأصل كانت تسمى «يبوس»، نسبة إلى أحد البطون الكنعانية، وكانت سكنُا لهؤلاء الكنعانيين ومركزاً لعبادتهم، ولذلك نجد أن لفظ «أورشليم» مأخوذ من لغة الكنعانيين المكون من مقطعين «أور» بمعنى مدينة، و«شليم» بمعنى السلام، والمقطع الأخير اسم لإله الكنعانيين، ويرجع تاريخ مدينة القدس إلى القرن 15 قبل الميلاد، ولم تذكر التوراة أن اليهود هم من أسسوا هذه المدينة، بل الثابت تاريخياً ووفقاً للنصوص التوراة أنهم جاءوا إليها أثناء غزو «يوشع بن نون» للمنطقة.

الاستشراق اليهودى

الدكتورة هدى درويش، تستطرد أن الكاتب اليهودى «ألفريد ليلنتال»، شهد بأن الكنعانيين هم أول من سكنوا فلسطين، ثم تتابعت بعدهم القبائل العربية إليها، ثم بعد ذلك وفدت إليهم القبائل العبرية؛ مشيرة إلى أن المستشرقين اليهود هم أول من ربطوا اليهود بالمنطقة العربية وتحديداً فلسطين، حيث وجهوا الاستشراق الغربى نحو هذا الهدف من خلال هيكلة المنطقة العربية والإسلامية، وفقاً للمنظور الاستشراقى اليهودى، واجتهدوا فى استحضار عوامل صراع «شرقي - غربى» بغية حشد الغرب فى صفوفهم، واستخدموا آلاف المطبوعات الصادرة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، لتصل بسهولة ويسر للباحثين الغربيين.

مدير مركز الدراسات الإسرائيلية بجامعة الزقازيق، تضيف أن هناك عوامل تاريخية ثابتة تؤكد «عروبة القدس»، ولا يمكن العبث بهذه العوامل أو تغييرها، وقد تعرض لها المستشرقون اليهود فى محاولات دؤوبة منهم بغية تشويهها ونشر أكاذيبهم والترويج لمزاعمهم، وأول هذه العوامل هى الارتباط العقدى الإسلامى بالقدس والمسجد الأقصى منذ بداية الرسالة الإسلامية؛ كما أن رحلة الإسراء والمعراج حقيقة ثابتة عايشها النبى محمد صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه، وليس أدل على ذلك من وصفه - صلى الله عليه وسلم - للمسجد الأقصى بتفاصيله وكأنه يراه، أمام مشركى مكة، وهو ما يدحض أقوال المستشرقة اليهودية «حافا يافا»،  والأكاديمى الإسرائيلى «مردخاى قيدار»، اللذين زعما أن قصة الإسراء والمعراج كانت فى بدايتها مجرد «أسطورة» و«زيف تاريخى» ثم صارت «حدثاً تاريخياً» و«أساساً ايمانياً» فى الإسلام.

عاصم شرف الدين

محمد أبو العيون

طباعة
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg