| 25 أبريل 2019 م

العَقْد الطيِّب

  • | الأربعاء, 13 مارس, 2019
العَقْد الطيِّب
أحمد الصاوي .. رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر

قبل أكثر من ألف عام، غـُرست نبتة الأزهر فى قلب القاهرة الوليدة، وقـُدِّر لهذا البنيان من اللحظة الأولى أن يكون دار علم وعبادة معاً، وأن يضطلع بدور كبير جداً فى إعادة تشكيل وعى المصريين - ومن ثَمَّ المسلمين كلهم - بالإسلام، وأن يكون جامعة استثنائية فى كل المنطقة.
وفى تلك المسيرة كان الأزهر حاضراً فى التاريخ، فاعلاً ومحركاً وشاهداً على التحولات والانتفاضات والثورات، ومرتكزاً للأحلام الوطنية.
وإذا كانت المحطات التاريخية فى مسيرة الأزهر كثيرة، وكل منها يُراكِم فى بنيانه مزيداً من الصلابة والصمود أمام التحديات، والتمسك بجذور المنهج، والتكيف مع مقتضيات العصر، وقيادة أبنائه لمسيرة التنوير منذ بدأ تحديث هذا الوطن - تبقى السنوات التسع الأخيرة جزءاً مهماً من هذه المحطات، ليس لأنها سنوات ارتبطت باسم الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب الذى تولى موقعه الرفيع فى مثل هذا الشهر من عام 2010، وإنما لأن تاريخاً جديداً لمصر والمنطقة قبل الأزهر وشيخه، قـُدِّر له أن يبدأ مواكباً لوجود الشيخ الطيب فى مهمته وموقعه ومكانه ومكانته.
جاء «الطيب» للمشيخة إماماً يُشبه الأزهر، فى وجدانه خلاصة الألف عام، فبدا وسطياً وداعماً للتنوع والتعايش كمنهجه، وصلباً كبنيانه، ومستقلاً كغيره من الأئمة الكبار الذين كان العامة يستغيثون بهم وقت المظالم، وغير متصادم مع أحد كغيره من حكماء هذا الكيان الذين وضعوا المقاصد دائماً أمام أعينهم، فوجَّهوا الجهد لما ينفع الناس ويمكث فى الأرض، وقوياً فى الحق غير متهيِّب أبعاداً سياسية فى تصديه لقضايا الأمة التاريخية، وإطلاقه النفير بعد النفير لنصرة المظلومين والضعفاء كدأب منبر هذا الأزهر العريق فى إطلاق صرخات استنفار الهمم واستعادة الوعى.
من قلب لحظة اضطراب وسيولة واضحة وجد الإمام الطيب نفسه فى قلب نار تستهدف، فيما تستهدف، الأزهر واستقلاله ووجوده ودوره قبل أن تستهدف شخصه، وتحاول خطف بلد الأزهر باسم الدين بعد أكثر من ألف عام من وجود الأزهر، وأكثر من ألف وأربعمائة عام من دخول الدين إليه، وكأن الإسلام مكتشَف حديثاً.
من قلب لحظة كتلك تهدَّدت هوية وطن استقرت ونمت والأزهر جزء منها، لبَّى الإمام نداءً لبَّاه من قبله «الخراشى»، وهذه المرة من مجتمعه ونخبه ومثقفيه، فكان الصخرة الأهم التى تحطمت عليها أوهام الدولة الدينية، فيما مضى يعزز بوثائق ومؤتمرات ومناهج ومقالات وفعاليات نموذج دولة المواطنة، ويفتح الباب لاستعادة فهم الإسلام الصحيح لقضايا المرأة، والآخر، والدولة، والحكم، والجهاد، ويفتح الأبواب على مصراعيها للحوار البناء والانفتاح على الجميع، معززاً ثقافة التعايش ومكافحة التطرف والإرهاب، ما جعل العالم كله يتشبث بمنهجه، فتجد الاحتفاء بأثره واضحاً غير مُستحٍ فى حواضر أوروبا وآسيا وأفريقيا.
فى مستهل العام العاشر من هذا «العَقْد الطيِّب» نحتفى بالأثر والجهد قبل صاحبهما، ونحاول أن نبنى فى اتجاه «أزهر» أقوى وأحدث فى: المبنى والمعنى والمنهج والدور والتأثير.. «أزهر» لمصر والعالم، يشبه تاريخه، ويشبه شيخه: الفقيه، العالم، الباحث، الفيلسوف، السُّنى، الأشعرى، الصوفى، المصرى، العربى، المسلم، المثقف، المجدد، المنفتح، المتكلم، المسالم عن قوة، والقوى فى الحق، الداعى إلى الله العادل كون العدل أسمى مقاصده، والتنوع أساس مشيئته.

أحمد الصاوي

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg