| 22 نوفمبر 2019 م

الإسلام والعلم الحضارة (52).. بقلم: رجائى عطية

  • | الإثنين, 27 مايو, 2019
الإسلام والعلم الحضارة (52).. بقلم: رجائى عطية
رجائي عطية

انتقل الأدب بكل فروعه من شعر ونثر، وقصص وأمثال، ورسائل وخطابة ومناظرات، فضلاً عن أدب التراجم الذى حظى فى التاريخ بنصيب وافر، نقلة كبيرة مع ظهور الإسلام، واتصال العرب بالقرآن الكريم ببلاغته الفريدة التى لم يروا لها نظيراً، وبالسنة النبوية التى أبانت وشرحت وفصلت فى أسلوب بليغ تضافراً مع القرآن الكريم فى نقل الأدب العربى نقلة نوعية وكمية.

وقد غلب استعمال كلمة الأدب بمعنى التأديب والتأدب أثناء القرن الأول الهجرى، وامتد بهذا المعنى إلى كل ما من شأنه التثقيف والتهذيب من أنواع العلم ما عدا العلوم الدينية، فقد أخذت عنايةً خاصة من الصحابة والتابعين، سواء فى كتابة نزول الوحى بالقرآن على الرسول (صلى الله عليه وسلم) تباعاً، أو جمعه وترتيبه فى عهد الصديق والفاروق، ثم توحيد المصاحف فى عهد عثمان بن عفان. أما السنة، فإن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان قد نهى عن كتابتها حتى لا تختلط بالقرآن، وقال لصحابته عندما بلغه نبأ «الصحيفة الصادقة» التى جمع فيها عبدالله بن عمرو بن العاص نحو تسعين حديثاً: «لا تكتبوا عنى غير القرآن، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

على أنه لم يطل الزمن كثيراً بعد وفاة النبى عليه الصلاة والسلام، حتى اطمأن المسلمون إلى تمام جمع القرآن ثم توحيد المصاحف، بما لم يعد معه أى احتمال لاختلاط السنة بالقرآن، فبدئى فى جمع السنة وتدوينها خوفاً عليها من الضياع. وقد عنى بها الصحابة والتابعون وعلماء الحديث بتحقيق رواياتها ورواتها وتحميص الرواة للاستيثاق من صدق رواياتهم.

ويمكن القول إنه كان للمسلمين فى ذلك العصر، نوعان من الثقافة: إحداهما دينية: وهى القرآن والحديث وما يتصل بهما. والأخرى غير دينية: الشعر والأخبار والنثر والقصص والأمثال والخطابة والرسائل والمناظرات والأنساب وما يتصل بها، مما جرى تسميتها بالأدب.

فلما كان القرنان الثانى والثالث للهجرة، نشأت علوم اللغة العربية ونمت واستقلت بفروعها وأسمائها، فكان النحو والصرف واللغة ووضع معاجم اللغة كلسان العرب لابن منظور والمحكم والمخصص لابن سيدة ومختار الصحاح وغيرها، وصار الأدب دالاً على الكلام الجيد البليغ، المنظوم والمنثور، وما يتصل به ويفسره من الشرح والنقد والأخبار والأنساب، وعلوم اللغة العربية، وبدأت تظهر الموسوعات الأدبية، ككتاب الكامل للمبرد المتوفى سنة 285 هـ 898 م، والبيان والتبيين للجاحظ المتوفى سنة 255 هـ 868 م، إلى موسوعاته «الحيوان» و«البخلاء»، وككتاب «طبقات الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحى المتوفى سنة 231 هـ 845م، والكتاب أول ما صنف فى النقد المنهجى، والنقد الأدبى فيما يقول الأستاذ الدكتور محمد مندور «نشأ عربياً وظل عربياً صرفاً»، وكتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة المتوفى سنة 285 هـ 898 م، وفى تاريخ لاحق كتاب «سر الصناعتين» لأبى هلال العسكرى المتوفى سنة 396 هـ 1005 م.

ثقافة العصر وأدبه

تنوعت الثقافة فى ذلك العصر تنوعاً كبيراً، بفضل اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وامتدادها فيما حولها، واتصال العرب بالأجانب وإطلاعهم على علوم الأمم الأخرى.

وفى إطار الأدب، الذى يعنينا هنا، فقد اشتدت العناية بالنقد وكثر الكلام فيه، وفى ذلك وضع الدكتور محمد مندور، شيخ النقاد فى العصر الحديث، كتابه الضافى «النقد المنهجى عند العرب»، وضم إليه فى طبعاته الحديثة، فضلاً عن كتاب ابن سلام، كتاب «منهج البحث فى الأدب واللغة» وقام بترجمته عن الأستاذين الكبيرين لانسون وماييـه، للاستفادة بالتقدم الكبير الذى أحرزه الباحثون الأوروبيون فى النقد المنهجى.

والنقد المنهجى، فيما يقول الدكتور محمد مندور، هو ذلك النقد الذى يقوم على منهج تدعمه أسس نظرية وتطبيقية عامة، وقد تتبعه الدكتور مندور فيما يمكن الرجوع إلى تفصيلاته فى كتابه هذا الضافى الذى أشرت إليه.

ونعود إلى الأدب بعامة، فنعرف أنه على صنفين: أحدهما الأدب بمعناه الخاص، وهو الكلام الجيد الذى يحدث فى نفس قارئه أو سامعه لذة فنية، سواء كان شعراً أو نثراً. والثانى وهو الأدب بمعناه العام، وهو الإنتاج العقلى الذى يصور فى الكلام ويكتب فى الكتب.

ولنا أن نقول إن الأدب الخاص، يعنى القصيدة الشعرية الرائعة، والمقالة النثرية البارعة، والخطبة المؤثرة، والقصة الممتازة. فكل هذا وما جرى مجراه يحدث لمن يقرأه أو يسمعه تلك اللذة الفنية، والتى قد يجدها السامع للغناء أو الموسيقى، والناظر إلى اللوحة أو الصورة الجميلة أو التمثال البديع. فكل ذلك يتصل بالذوق والحس والشعور، ويمس ملكة تقدير الجمال فى النفس.

تقسيمات الأدب

تتعدد تقسيمات الأدب تبعاً لزاوية النظر فيه، فهو قد يكون إنشائياً أو وصفياً. والطبيعة هى موضوع الأدب الإنشائى، سواء كانت هذه الطبيعة داخلية فى النفس، أو كانت خارجة عن النفس فيما يحيط بها من الصور والأحداث. أما الأدب الوصفى، فلا يصور الطبيعة تصويراً مباشراً، وإنما يصور ويتناول كلام الغير، وبيان مواضع الجمال فيه والرضا عنه أو مواضع الانتقاد والسخط عليه، كما فى تناول القصيدة أو المقالة أو الكتاب بالنقد.

وهناك النقد وتاريخ الأدب، فمنذ سمع الناس القصائد والخطب، فى إطار الأدب الإنشائى، وهم يعرضون لها بالثناء أو التعييب، وبالذم أو التقريظ، وكان هذا هو أول الأدب الوصفى الذى تطور مع التعمق إلى النقد.

أما الشعر فهو الكلام المنظوم بمعماره الموسيقى وبحوره وتفعيلاته وقوافيه، الواحدة أو المتعددة. أما النثر فهو الكلام المرسل الذى لا وزن لمعماره ولا التزام فيه بقافية. وهذا وذاك على اختلاف أنواعهما وفنونهما مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية، ملأ الحياة العربية فى ظل الإسلام ثراءً وفكراً.

النثر وأنواعه

تشعب النثر الفنى فى الأدب العربى فى ظل الإسلام إلى أنواع عدة، تجلت الإبداعات فى كل منها.. فى القصص، وفى الرسائل، وفى المناظرات، وفى الخطابة، وفى كتابة التاريخ والتراجم.

وجرت الرسائل على صنفين: عام أو رسمى، وخاص أى الإخوانيات.

وعرفت الرسائل العامة منذ العهد النبوى، وفى كتب الرسول عليه الصلاة والسلام  -إلى الملوك والأمراء والزعماء التى يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكتب الخلفاء من بعده، الراشدون ومن تلاهم فى الدولة الأموية ثم فى الدولة العباسية، وبتوالى الزمن منذ العصر الأموى تفرغ كتاب لكتابة هذه الرسائل، وصارت لسان الدولة فى جلائل الأمور، ما بين عهود الخلفاء وأولياء العهد، وما بين مخاطبة الجمهور، فضلاً عن تسجيل مآثر الخلفاء والملوك والأمراء، ومن أشهر الموسوعات الأدبية العربية فى هذا الشأن، موسوعة «صبح الأعشى فى صناعة الإنشاء» للقلقشندى.

أما الرسائل الخاصة أو الإخوانيات، فهى أوسع مجالاً وأقرب إلى التعبير عن فكر الكاتب ومشاعره، وهى على ذلك تصور آراء الناس وعاداتهم ونوازعهم وأخلاقهم وظروفهم وحوادثهم وأحوالهم.

ومن هذه الرسائل رسائل الجاحظ، وبديع الزمان الهمذانى، والمعرى، وابن زيدون، والخوارزمى وغيرهم.

أما القصص، والتى اغتنت بها آداب الأمم كالهند والفرس والإغريق والرومان، فإن العرب أطلوا فى باحة الإسلام على القصص القرآنى وما فيه من وقائع الأمم الغابرة، ومن عظات وعبر.. روى القرآن الكريم قصة يوسف عليه السلام فى سورة يوسف، وجاء فى أولها فى خطاب إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام -: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ» (يوسف 3)، وقال له فى سورة آخرى: «وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ» (هود 120)، ومن ذلك نشأ القصص الدينى.

وعبر الدولتين الأموية والعباسية، تعاظم الاهتمام بالقصص العامة والخاصة وطائفة من القصص التاريخية، ومن الأسمار، ومن الخرافات أيضاً، وقد عرض ابن النديم المتوفى سنة 287 هـ / 900 م عرض فى «الفهرست» كتب الأسمار الخرافية التى ترجمت للعربية عن الفارسية والهندية واليونانية، وما روى عن ملوك بابل، كما عرض زهاء ثمانين كتاباً بالعربية عن أخبار العشاق فى الجاهلية والإسلام، ومن أشهرها كتاب «ألف ليلة وليلة»، والذى تسرب إلى أوروبا وظهر فى بعض آدابها.

وفى القرن الرابع وضعت المقامات الأدبية المعدودة من القصص القصيرة بقيود معينة فى صياغتها، واشتهر منها مقامات بديع الزمان الهمذانى، ومقامات الحريرى، وظهر فى مصر والأقطار العربية قصص «عنترة» و«الظاهر بيبرس» و«سيف بن ذى يزن» و«الأميرة ذات الهمة « و«فيروز شاه « و«أبوزيد الهلالى» و«على الزيبق» و«عثمان الدنف» وغيرها، وظهر إلى جوار هذه القصص قصص الرحلات كرحلة ابن جيبر ورحلة ابن بطوطة، وترجم عبدالله ابن المقفع قصص «كليلة ودمنة» لبيدبا الفيلسوف الهندى.

أما الخطابة، وعمادها الارتجال، فأبدع فيها الخطباء والعرب، بالصياغة الأدبية، فضلاً عن قوة الإقناع والاستمالة، ولا تزال قبلة لما يُدَرس فى مراحل التعليم من هذه الخطب بصياغتها الرفيعة، ومنها الخطب السياسية، والخطب القضائية، والخطب الدينية، وخطب المحافل، مما شكل تراثاً عريضاً فى هذا الباب من أبواب الأدب العربى الذى نما وتطور فى باحة الإسلام.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg