| 21 سبتمبر 2019 م

هيثم أبوزيد.. يكتب: كشاف الزمخشرى

  • | الإثنين, 27 مايو, 2019
هيثم أبوزيد.. يكتب: كشاف الزمخشرى
هيثم أبوزيد

«الفقيه وإن برز على الأقران فى علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن برز أهل الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرّية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصرى أوعظ، والنحوى وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوى وإن علك اللغات بقوّة لحييه لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شىء من تلك الحقائق إلَّا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعانى وعلم البيان وتمهل فى ارتيادهما آونة، وتعب فى التنقير عنهما أزمنة..»

بهذه العبارات الفصيحة الجزلة الرائقة، استهل الإمام أبوالقاسم محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشرى (467 538هـ، 1074 1143م) كتابه «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل»، المعروف اختصاراً بتفسير الزمخشرى، الذى يمثل إحدى أهم المحطات فى مسيرة تفسير القرآن، لما حواه من كشف عن وجوه البلاغة القرآنية، وانتصار للغة العربية من رجل أصله أعجمى فارسى.

ومنذ منتصف القرن السادس الهجرى أصبح «الكشاف» مرجعاً أساسياً، يعتمد عليه أئمة التفسير، والمهتمين بالوجوه البيانية لآيات الكتاب الكريم، لا سيما من أعلام المدرسة الأشعرية الأعجمية، وعلى رأسهم شرف الدين الطيبى، والقطب الشيرازى، وسعد الدين التفتازانى.

ورغم أن الزمخشرى بنى كتابه على ما يؤيد الفكر الاعتزالى، وأصوله الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ورغم من كيله النقد والسباب لأهل السنة، إلَّا أنهم عرفوا للكتاب قدره، واهتموا به اهتماماً بالغاً، ونقدوا ما فيه من انحياز اعتزالى دون أن يحرموا الثقافة السنية مما فيه من فوائد علمية لا تطلب بهذا المستوى من كتاب آخر.

وقد وضع العلامة المصرى السكندرى ناصر الدين ابن المنير المالكى كتاباً فى نقد تفسير الزمخشرى سماه «الانتصاف» بيَّن فيه ما فى الكشاف من دعاوى اعتقادية، وتعسف فى تخريج الكلام بما يوافق مذهب المعتزلة، مع الإقرار بتفوق الزمخشرى فى ميدان البلاغة، وإظهاره روائع البيان القرآنى على نحو غير مسبوق.

وعن الزمخشرى، يقول مفتى تونس محمد الفاضل بن عاشور: «أصبح كتابه عمدة الناس على اختلافهم، بين مشايع له ومخالف، وعلى وفرة مخالفيه، وانقطاع مشايعيه، يرجعون إليه على أنه نسيج وحده فى طريقته البلاغية الإعجازية، وفى غوصه على دقائق المعانى وحسن إبرازها على طريقة علمية سائغة بتحليل التركيب، وإبراز خصائصه واعتباراته.. وهكذا انقرض المذهب الاعتزالى واندرج الزمخشرى وأهل فرقته فى البائدين، واحتل الكتاب مكانه الذى هو أهل له مشاعاً بين أهل القرآن».

لم يعرض عن «الكشاف» إلَّا طائفة الغلاة، الذين دبجوا المقالات فى ذم الكتاب وصاحبه، وجمع مآخذ علماء السنة عليه، وعمدتهم فى ذلك ما قاله ابن تيمية فى «الفتاوى»: «وأما الزمخشرى فتفسيره محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة، وهذه الأصول حشا بها كتابه بعبارة لا يهتدى أكثر الناس إليها ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين».

ومن أمثلة لمحات الزمخشرى فى كتابه، تعليقه على قوله تعالى فى سورة مريم «واشتعل الرأس شيباً» بقوله: «شبه الشيب بشواظ النار فى بياضه وإنارته وانتشاره فى الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ، باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة».

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg