| 14 أكتوبر 2019 م

أحمد الصاوى.. رئيس تحرير صوت الأزهر .. يكتب: بين الدَّاعية إلى الله.. ودُعاة السُّلطة

  • | الثلاثاء, 2 يوليه, 2019
أحمد الصاوى.. رئيس تحرير صوت الأزهر .. يكتب: بين الدَّاعية إلى الله.. ودُعاة السُّلطة

لم يخلع عباءة الدَّاعية ليرتدى عباءة السياسى حتى فى وقتٍ كانت السياسة مغرية فى جَذْبها، ونافذة فى صُراخها، والسلطة ملقاة فى أتون الفوضى على قارعة الطريق.
وحتى فى اللحظة التى كان فيها الطامعون فى خلق دولة دينية «ثيوقراطية» يعتقدون أن حلمهم بات واقعاً بين أيديهم، أو هو على مَرْمى البصر، وجد الإمام الأكبر المسافةَ شاسعةً بينه - كونه رجل دين وعلم - وبين أولئك الذين يلتحفون بالدين وهم فى جوهرهم أهلُ سياسة، يسعون لمصالح وسلطان الدين فيه وسيلة ومطيَّة.
حين كانت الخيارات قاطعة وحادَّة، وأصحابها يرفعون شعارات «من ليس معنا فهو ضدنا»، وحين كان الميزان يميل - بفعل قوة التنظيمات على الأرض، وضعف وتهافت وتضاؤل تأثير النخب التى فشلت فى كل اختبار إلا الضجيج - إلى الدولة الدينية التى تختطف من الدين المسمَّيات، وتستعيد من التاريخ ممارسات ومفاهيم تجاوزها العصر وأبعدها الفَهْم الطبيعى لمقاصد الشرع، وتفتح الباب للتمييز بين أهل الوطن الواحد، وبين أهل الملَّة الواحدة، بإقصاء غالبية المسلمين الموحدين لصالح فرقة ناجية واحدة، تحتكر الربَّانية، والحديث باسم الله وشريعته.
كان الإمام الطيب يدرك تمام الإدراك المسافة بين الدَّاعية إلى الله والدُّعاة إلى السياسة، والفارق بين شيخ يتحدَّث بالدين وعن الدين ولصالح الدين: علماً وفَهْماً وسلوكاً ومعاملات وتعاطياً مع الناس كل الناس، وبين مستشيخ يرمى من وراء كل قول ظاهره الدين هدفاً فى السياسة، يُنطق الآيات ما لم تقله أو تقصده عن خصومة، ويختار للناس مقاعدهم فى الجنة والنار بحسب مواقفهم السياسية من القوائم الانتخابية.
سار الإمام خلف فِطْرته التى عاش بها عقودَ عُمْره المديد، وعاش بها من قبله جدوده فى بَرِّ مصر، وسار خلف علمه الذى حصَّله من أزهرٍ امتد أثره وتأثيره من ألف عام يقاوم أىَّ تعكير لفِطْرته، ويحفظ لمصر والعالم فكر التعايش والاندماج والقبول، ووسطية الفَهْم ومنهجه. سار خلف عقله كفيلسوف عالم صاحب عقيدة أشعرية قادرة على المزج بين النصِّى والعقلىِّ، والتمييز بين الدينى والسياسى، ففَرَد مظلَّته ليأمن فى ظِلِّها المفزوعون من هذا الزلزال الذى قلب الأوزان رأساً على عَقِب، فوضع الأساس لدولة المواطنة المدنية الدستورية بوثيقةً وراء وثيقة، وإعلان خلف إعلان، وموقف تلو موقف، ورسالة خلف رسالة، تحمى هُوية شعب قامت على سماحة العقيدة منذ عرف العقائد واختبر الإيمان بالوحدانية، وظل يبنى ويشرح ويُعلِّم ويفرق بين الدينى والسياسى، ويتصدَّى للخلط بينهما ولمحاولات الخطف، لشرعنة مشروعات الأحزاب وتديين أهداف الجماعات.

«الدولة لجميع مواطنيها دون تمييز، ولا ميزة لمواطن على مواطن إلا بالكفاءة، والدين جاء لإسعاد الناس وإعمار ما بينهم وحثهم على الحياة لا التسلط عليهم ولا إرهابهم أو دفعهم لصناعة الموت والكراهية والتمييز».
كان موقف الإمام الأكبر، والأزهر من ورائه، فى 30 يونيو امتداداً لموقفه بعد 25 يناير، البحث عن الحكمة والرشد، والدفاع عن الإسلام ضد من حاولوا إيهام الناس أن الثورة على شخص أو حزب أو تنظيم هى حرب على الإسلام.
اختار الإمام الطيب دولة المواطنة التى أصَّل لها دستور المدينة قبل 1400 عام، وتطورت بها الأزمان والعصور، ودافع عنها وشارك فى تعزيزها وحماية مشروعها مشاركةٍ لا ينكرها ذو عقل أو إنصاف، وكان - ومازال - إحدى القلاع المنيعة التى تحطمت على أسوارها طروحات الدولة الدينية، ومازالت تتحطم أفكار تلك التنظيمات ومناهجها فى مصر والعالم.
بعد 6 سنوات من 30 يونيو.. و8 من 25 يناير يحصد الإمام الطيب ثمار إخلاصه لوطنه وللأزهر، لبَّى النداءات كغيره من الأئمة الكبار الذين كانوا يَهُبُّون لنصرة البلاد والعباد، فلم يترك لحظة تاريخية فى هذا العقد إلا وكان شريكاً فيها، ضابطاً لفورانها وراعياً لأهدافها المستحقة، ومدافعاً عن جوهرها النبيل.
استعاد للأزهر مكانته وتأثيره، وعزَّز حضوره فى العالم، وأكد وجوده كمرجعية أولى فى العالم الإسلامى، وحاز اعتراف العالم  به إماماً إصلاحياً كبيراً تتطلع إليه العواصم ليشاركها حَلَّ معضلات التطرف وإرساء مناهج الوسطية.. وداعية يقول: «ربى الله.. إله عادل لم يرسل الرسل بشىء ينسخ العدل أو يستحلُّ الدماء»، ولا يرجو من قوله هذا حُكْماً ولا سُلطاناً.

 

أحمد الصاوي .. رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر

أحمد الصاوي .. رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر


 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
2.3

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg