| 18 يوليو 2019 م

د.عمار على حسن.. يكتب: الرواية والتصوف (3- 4)

  • | الأحد, 7 يوليه, 2019
د.عمار على حسن.. يكتب: الرواية والتصوف (3- 4)
د. عمار علي حسن

انحاز أدهم العبودى فى روايته «حارس العشق الإلهى» إلى التاريخ البصرى لأمكنة عجيبة، وخطفته وقائع اجتياج المغول للعالم الإسلامى فإن حالة بطليه الحقيقيين «جلال الدين الرومى» وشيخه «شمس تبريزى» وصورتهما المعروفة فرضت نفسها عليه، سواء من خلال جدل علاقة الإنسان بالمكان، أو نظرته العميقة إلى الذات والشخصيات والوقائع والأشياء، وتقديره للمواقف والمشاعر وطرائق التعبير عن دخائل النفس، وقبل كل هذا ارتباط الذهن والقلب بخالق الكون وصانعه، عبر التفكير فيه، والتوسل إليه، وسؤاله الدائم عن كل ما غمض أو شرد أو ضاع فى متاهات الحياة، أو حتى التعبير عن العجز فى فهم حكمته بينما يغرق البشر فى صراعات دموية.

لم يسلك العبودى الطريق نفسها التى سارت فيها الروائية التركية أليف شافاق فى روايتها التى ذاع صيتها فى العالم العربى خلال السنوات الأربع الأخيرة «قواعد العشق الأربعون» والتى جدلت فيها الحاضر بالماضى لتحكى سيرة تبريزى والرومى بالتوازى مع سيرة امرأة ورجل يعيشان فى أيامنا، ويتبادلان الصور والرؤى والشعور مع هذين الصوفيين العظيمين، فالعبودى لم يعنه سوى ارتباط بطليه بمكانهما وزمانهما، حتى لو استعاد بعض الشخصيات التى أحاطت بهما، وفصلت شافاق فيها، مثل «كيرا» و«كيما»، مستعينا بحوليات تاريخية وخرائط جغرافية، مكنته من أن يصف ببراعة معالم مدن «مرو» و«نيسابور» و«قونية» وبناياتها وشوارعها العتيقة، وتضاريس الصحارى والجبال والوديان، ثم تفاصيل المعارك المروعة التى خاضها المغول، وهم يطلقون سيوفهم فى رقاب الخائفين، بينما تدوس سنابك خيولهم ملك العالم الإسلامى القديم وتسقطه بلا روية ولا ورع.

ساعد العبودى على أن يحقق ما أراد قاموس لغوى ثرى، صنع به مقاطع فاتنة، تحقق ثلاثة أمور فى وقت واحد، الأول هو الوصف البارع للمناظر والمشاهد والمعالم، والثانى هو محاولة الغوص إلى جذور أفكار وقيم وتصورات ورؤى صوفية وفلسفية، والثالث هو صناعة تاريخ مواز، لم تأت على ذكره الكتب التى عاد إليها وعددها فى نهاية روايته، إنما كانت بنت الخيال، الذى بوسعه أن يرمم الشروخ، ويسد الفُرج، ويشق مسارا مختلفا عما ألفه الناس، وهو أمر لا يحمل أى تجاوز، لأن ما وصل إلينا من أخبار تبريزى والرومى ليس هو بالضرورة ما جرى بالضبط، إنما بعض ما كتبه الرومى، وما كتبه آخرون عن هذين الشيخين الكبيرين، اللذين لا يزالان قادرين على أن يشغلا الناس فى زماننا، ويشغلا المقبلين فى زمن لاحق، ليس بسيرتهما المحفورة فى تاريخ التصوف الإسلامى، بل الإنسانى، كعلاقة بين الشيخ والمريد أـو بين المعلم والتلميذ، يجب أن يحتذى بها، إنما نظرا لأن النصوص النثرية والشعرية التى تركتها تجربتهما المذهلة لديها قدرة على تجاوز حدود الزمان والمكان، وإطلاق العجب والعبرة والانبهار فى نفس كل من يطلع عليها. وربما أعطى المبدأ الذى يتفق عليه بعض المؤرخين ويرى أن «التاريخ اختيار» فرصة للكاتب كى يقول لنا إنه يتناول تاريخا سريا لمولانا جلال الدين الرومى.

والتاريخ هنا، ليس فحسب ما جرى من التتار وفى مواجهتهم، إنما هو أيضاً تاريخ اللغة التى كانت سائدة فى ذلك الزمن، ولا أقصد هنا اللغة المحكية أو المتداولة بين الناس، إنما اللغة التى كان يكتبها المتصوفة وينطقون بها، والتى أثرت كثيرا فى أسلوب العبودى، الذى أتى قويا ذا جرس وإيقاع مدو، تغلب عليه الشاعرية، ويميل إلى الإسهاب فى الوصف ليرسم صورا بصرية ثرية لما جرى فى زمن غابر، لكن آثاره لا تزال قائمة إلى أيامنا تلك، وليس أدل على هذا من كون شعر الرومى هو الأكثر قراءة فى الغرب حاليا، بعد ترجمته، واكتشاف الأعماق الروحية والإنسانية الكامنة فيه.

إن فتنة اللغة أخذت الكاتب من الحكاية، فلم ينشغل بها، مدفوعا بكل كيانه إلى التجريب والمغايرة، متوسلا باللغة كأداة لتحقيق هذا الهدف، فهى قادرة على أن تلفت الانتباه لذاتها، ولا تؤدى بالضرورة إلى بناء أى معنى فى كل مواقع الرواية، لكنها قد تأخذ بلب القارئ فلا ينشغل بمسار الحكاية، أو معمار الرواية، أو يسأل عن القصة فى هذا الكتاب، ومن الممكن ألا ينشغل بتجميع نثارها من بين فصول الرواية الموزعة على الرومى وشيخه وبعض خلصائه ومن حوله، وقد يجد نفسه متساوقا مع الكاتب الذى ترك نفسه لبحر اللغة الهادر ليقذفه إلى حيث يشاء، لدرجة أن الاستشهاد على هذه الحال من النص يبقى غاية فى الصعوبة، وقد يستغرق النص كله إلا من عبارات قليلة.

بهذا تتباطأ الأحداث داخل الرواية، لتقف طويلا على عتبات اللغة، وقد لا يأتى انتظارها بجديد، ويكون عليها أن تنكمش أمام طوفان لغوى يدعو القارئ إلى نص استمد من الصوفية سحر الصور وعمقها وغموضها وسعيها إلى مفارقة معطيات وتفاصيل قد تجمدها عند اللحظة التاريخية القديمة ولا تسمح لها بتجاوز حدود الزمان والمكان.

فرغم أن الكاتب وضع مراجع فى نهاية روايته منها «تاريخ الإسلام» للذهبى، و«الكامل» لابن الأثير، و«قواعد العشق الأربعون» للتبريزى، و«المثنوى» للرومى، فإنه لم يلتزم بما ذكرته هذه الكتب، وأطلق العنان لخياله، ليتصور الوقائع والأحداث كيفما شاء، ويضع الشخصيات فى القوالب والمسارات التى عنت له، إلى درجة أنه أن لا يجد غضاضة فى إضفاء أبعاد مادية وحسية، بل شهوانية، عليها، مثلما صور فى علاقة «شمس» بـ«كيما»، أو وصف عرس كان حافلا بكل ما لذ وطاب.

وكأن الكاتب أراد أن يجعل من شخصيات روايته «شمس» و«جلال» و«كيما» و«شاهين» و«كيما» و«كيرا» وقبلهم جميعا «بهاء الدين» والد «جلال» أمثولة تتجاوز الصورة التى وقرت فى الأذهان عنها من قراءة الحوليات التاريخية أو النصوص الأدبية التى عبرت عنها، أو كأنه أراد أن يجردها من كل هذه الحمولات التاريخية ويعيد تشكيلها حسبما يريد، وهو ما جعله يستخدم ضمير «المتكلم» ليقبض على كل شخصية، يتكلم بلسانها، ويرى لها ما يجب عليها أن تراه، ويخطو بها نحو ما يهوى وما يرغب هو فى الذهاب إليه، فصارت أسيرة له، وفقدت حريتها التى أعطتها لها التركية شافاق، حتى إنه يمزج بين شخصيتى «شمس» و«جلال» فيعطى المشهد الأخير فى روايته عنوان «مولانا شمس الدين الرومى»، ويقول آمرا الاثنين:

«ذب، لا تهمك الأسماء، فى هذه اللحظة بالذات، نحن خارج حدود الوعى، إن التوحد هو سر العشق الإلهى، هو الحقيقة المطلقة، الحقيقة التى ليس قبلها ولا بعدها حقائق، أنا وأنت، شمس وجلال، أو جلال وشمس، أو روح العشق، أو كل الأسماء المدمجة، لا يهمك».

وفى أغلب محطات الرواية يقبض الكاتب على لسان ومخيلة «شاهين» الدرويش الأعمى الملازم لشمس تبريزى، الذى دفعته مصادفة إلى أن يحب «كيرا» التى تزوجها الرومى فيما بعد، ليصير هو الوسيط الذى ينقل الكاتب عبره بعض قواعد العشق، التى وضعها التبريزى.

(ونكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى)

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg