| 14 نوفمبر 2019 م

د.عمار على حسن.. يكتب: فى نقد المركزية الغربية

  • | الخميس, 24 أكتوبر, 2019
د.عمار على حسن.. يكتب: فى نقد المركزية الغربية
د. عمار علي حسن

 

إلى جانب المتعصبين المعتقدين بصورة قطعية فى صواب فكرة المركزية الأوروبية، هناك مقولات ناصعة فى الغرب تؤكد قاعدة «الإرث البشرى المشترك» فى المعرفة، فهاهو توماس جولدشتاين يتحدث فى خاتمة كتابه الأثير «المقدمات التاريخية للعلم الحديث: من الإغريق القدماء إلى عصر النهضة» عما يسميها «شجرة المعرفة»، التى نحيا تحت ظلالها الوارفة فى الوقت الراهن، بفضل إسهام مختلف الحضارات الإنسانية والعقول البشرية، ويؤكد أن هناك افتراضا ضمنيا يبين أن العلم تطور بطريقة متسقة طوال التاريخ كله، لتبلغ مسيرته الصاعدة أعلى ذروة لها الآن، وليفتح المستقبل أفقا جديدا لمزيد من القمم الشامخة.

لكن هذا التصور المنصف فى بنيته العامة ومقصده الرئيسى، ينطبق أكثر على «العلوم الطبيعية»، مع الأخذ فى الاعتبار أنه ليس بوسع أحد أن يدعى حسما فى هذا النوع من العلوم أيضاً، أو ادعاء صارما بالكمال والاكتمال. وهنا يقول أينشتين فى حديثه عن المحاولات التى تبحث عن كشف أسرار الطبيعة: «لا تزال القصة الغامضة الكبرى دون حل، بل إنه لا يمكن الجزم بوجود حل نهائى لها... لقد فسرت النظريات المبنية على التجربة كثيرا من الحقائق، ولكن لم يكتشف إلى الآن حل عام، يتفق مع جميع الأدلة المعروفة، وفى كثير من الأحيان بعد الاستزادة من القراءة يتضح فشل نظرية، كان يظن أنها كاملة كافية، وذلك لظهور حقائق جديدة تناقض النظرية أو يتعذر تفسيرها بها».

أما العلوم الإنسانية فإن استفادت من أى عطاء انصب على طرق التحليل والتناول والتصنيف والتبويب، ومحاولة الوصول إلى نتائج دقيقة، والتحقق من صدق المعلومات، لكنها احتفظت فى كل مكان بالسمات الحضارية العامة، التى أثرت على مضمونها وشكلها معا. فطالما أننا فى هذا الصنف من العلوم «ندرس السلوك الإنسانى، فمن الضرورى أن تكون الحالات الجزئية التى يبدأ منها التعميم هى أفراد الناس. ومهما كانت العينة التى نبدأ منها، متماثلة أو متشابهة فى كثير من الخصائص العامة أو الكيفيات، إلا أن كل واحدة منها تختلف عن غيرها اختلافا جليا. ويستحيل أن يكون هناك تماثل كامل بين فرد وفرد آخر ينتميان إلى مجموعة معينة فى سلوكهما، مهما كان التشابه بينهما، ومهما تعددت الصفات المشتركة بينهما.

وقياسا على هذا يوجد فى الغرب علماء لا يؤمنون بأن هناك منهجا علميا أو إطارا معرفيا يصلح لكل الناس فى وقت واحد وأمكنة مختلفة وثقافات متباينة، فهاهو عالم وفيلسوف بقامة توماس كون يؤكد أن رؤية الإنسان للعالم من حوله نتاج ثقافى اجتماعى موروث، ويؤمن بأنه لا يوجد «نموذج إرشادى» صالح لدراسة الظواهر الإنسانية فى كل المجتمعات. ويبنى كون هنا على ما خلفته قريحة عالم اللغويات إدوار سابير الذى انتهى إلى أن أنساق اللغة المضمرة فى الأذهان هى التى تحدد رؤيتنا للعالم، وأننا نحلل الطبيعة وفق خطوط حددتها لنا لغاتنا الوطنية. وبالطبع فإن اللغة هنا لا تعنى الكلام فقط، بل هى الإيماءات والإشارات والرموز والتفكير الصامت أو التمعن، وهذا يتأسس على الموروثات الثقافية والظروف الاجتماعية المعقدة.

وفى كتابهما «العلم فى منظوره الجديد» يرى روبرت م. أجروس وجورج ن. سانسيو أن لكل حضارة من الحضارات تصور كونى للعالم، أى نظرة يفهم وفقا لها كل شىء ويقيم. والتصور السائد فى حضارة ما هو الذى يحدد معالمها، ويشكل اللحمة بين عناصر معارفها، ويملى منهجيتها، ويوجه تربيتها. وهذا التصور يشكل إطار الاستزادة من المعرفة والمقياس الذى تقاس به. وتصورنا للعالم هو من الأهمية بحيث لا ندرك أن لدينا تصور ما إلا حين نواجه تصورا بديلا، إما بسفرنا إلى حضارة أخرى، وإما بإطلاعنا على أخبار العصور الغابرة، وإما حين يكون تصور حضارتنا للعالم فى طور التحول.

والخلفية الحضارية أو الثقافية الاجتماعية ليست هينة فى تحديد الإطار العام للتفكير، وكما يقول كارل بوبر فإن المناقشة العقلانية والمثمرة مستحيلة ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطارا مشتركا من الافتراضات الأساسية، أو على الأقل، ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار، لكى تسير المناقشة... وهذا الإطار يبننى على المبادئ الرئيسية وليس مجرد بعض التوجهات التى قد تكون بالفعل شروطا أولية للمناقشة، من قبيل الرغبة فى الوصول إلى الصدق، أو الاقتراب منه، أو الاستعداد للتشارك فى المشاكل، أو تفهم أهداف ومشاكل آخرين سوانا.

فاختلاف السياقات والثقافات والخلفيات يفرض أمرين حيال العلم، الأول هو: القضاء على هذه الاختلافات تماما، أو تسويتها مؤقتا أو تنحيتها جانبا، ثم الاتفاق على مجموعة من المعايير والتصورات الموحدة لتساعدنا فى حل الإشكاليات والإجابة الكافية الشافية على التساؤلات. أما الثانى فهو: تعدد الأطر المعرفية حسب تنوع بنى المجتمعات البشرية، واختلاف المشكلات التى تواجهها.

وبالطبع فإن تحقق الاحتمال الأول هو من ضروب المستحيل، إذ لا يمكن أبدا تنميط العالم برمته، أو جعله وحدة واحدة فى طرائق العيش والتفكير وطبيعة المشكلات الحياتية وتذوق الفنون والآداب واختيار الأزياء... الخ. أما الخيار الثانى فيحمل فى باطنه قدرا كافيا من المنطقية تجعله قابلا للتحقق، فى ضوء هذه الشروط:

1 -إن البحث عن منهج علمى يلائم واقعنا لا يعنى أبدا التحلل أو التنصل والهروب من الاشتراطات والسمات العامة للتفكير العلمى، والانحراف أو الميل إلى التفكير الخرافى والأسطورى أو الارتجالى. فالتفكير العلمى له سماته العامة، التى تتعدى حدود الزمان والمكان، ومنها التراكمية والنسبية والتنظيم والتركيز على الأسباب التى تكمن وراء نشوء الظواهر، والشمولية، والدقة والتجريد.

2 -يجب ألا تكون عملية البحث عن هذا المنهج الملائم نابعة من رد الفعل النفسى حيال الغرب، حيث يقود الغضب من مواقفه السياسية إلى رفض أدائه وإنتاجه العلمى والمعرفى، والتعامل معه ككتلة واحدة، من دون تفريق بين السياسى والعلمى، أو بين أداء الساسة وجهود العلماء.

3 - لا يجب أن تكون هذه العملية متكئة على أسس أيديولوجية صماء، تلبية للصراع السياسى الساخن بين الشرق والغرب، الذى حدا بالبعض إلى حديث عن «علم إسلامى» مقابل «علم غربى». فإذا كان هناك من الإنتاج العلمى والطرق المنهجية الغربية ما هو منحاز ضدنا، فهناك أشكال ودرجات من التحيز بين الغربيين أنفسهم، ضد بعضهم البعض. فمن التحيز ما هو محلى، وما هو عابر للقارات.

4- هذه العملية لا تعنى رفض الوافد كلية، بل تسعى إلى وزن هذا «الوافد» بميزاننا الخاص. و«الإصرار على الإمساك بالميزان وعدم استيراده لا نأخذ موقفا غير علمى، فالعلم الطبيعى لا يتعامل مع الكليات أو المطلقات أو الغائيات، وإنما يتعامل مع الجزئيات والإجراءات، ويترك القيمة والصدق والغاية للإنسان يحددها كيفما تملى عليه معتقداته. ويمكن التعامل مع هذا الوافد بمنطق التعاطى مع «الحكمة»، التى تصل فى أهميتها إلى درجة أن بعض المفكرين والفقهاء المسلمين يعتبرونها من «أصول الشريعة»، مع القرآن الكريم والسنة الصحيحة والعقل والعرف.

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2019 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg