| 20 يناير 2021 م

عقد طيب مضى.. سلم رايته لعقد أطيب آت

  • | الأربعاء, 25 مارس, 2020
عقد طيب مضى.. سلم رايته لعقد أطيب آت
أحمد الصاوي .. رئيس تحرير جريدة صوت الأزهر

إذا كانت المحطات التاريخية فى مسيرة الأزهر الممتدة لأكثر من ألف عام كثيرة، وكل منها يُراكِم فى بنيانه مزيداً من الصلابة والصمود أمام التحديات، والتمسك بجذور المنهج، والتكيف مع مقتضيات العصر، وقيادة أبنائه لمسيرة التنوير منذ بدأ تحديث هذا الوطن - تبقى السنوات العشر الأخيرة جزءاً مهماً من هذه المحطات، ليس لأنها سنوات ارتبطت باسم الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب الذى تولى موقعه الرفيع فى مثل هذا اليوم من عام 2010، وإنما لأن تاريخاً جديداً لمصر والمنطقة قبل الأزهر وشيخه، قـُدِّر له أن يبدأ مواكباً لوجود الشيخ الطيب فى مهمته وموقعه ومكانه ومكانته.
عشر سنوات بدأت من مقر مشيخة الأزهر بدعوة واضحة وثابتة ومثبتة للتجديد والتطوير والإصلاح، واختتمت بمؤتمر عالمى للتجديد فى الفكر الإسلامى، انتهى بوثيقة صالحة لأن تكون منطلقاً لعقد جديد، يرتكز فيه الأزهر على نموذجه الإنسانى النبيل الذى أكده وكرسه الإمام الطيب من قبل توقيعه وإطلاقه وعكوفه على وثيقة الأخوة الإنسانية وبعدها، ليكون الأزهر كما كان حصناً للمصريين، ومرجعاً للمسلمين، ونصيراً لكل الإنسانية حول العالم.
جاء «الطيب» للمشيخة إماماً يُشبه الأزهر، فى وجدانه خلاصة الألف عام، فبدا وسطياً وداعماً للتنوع والتعايش كمنهجه، وصلباً كبنيانه، ومستقلاً كغيره من الأئمة الكبار الذين كان العامة يستغيثون بهم وقت المظالم، وغير متصادم مع أحد كغيره من حكماء هذا الكيان الذين وضعوا المقاصد دائماً أمام أعينهم، فوجَّهوا الجهد لما ينفع الناس ويمكث فى الأرض، وقوياً فى الحق غير متهيِّب أبعاداً سياسية فى تصديه لقضايا الأمة التاريخية، وإطلاقه النفير بعد النفير لنصرة المظلومين والضعفاء كدأب منبر هذا الأزهر العريق فى إطلاق صرخات استنفار الهمم واستعادة الوعى.


لم يخلع عباءة الدَّاعية ليرتدى عباءة السياسى حتى فى وقتٍ كانت السياسة مغرية فى جَذْبها، ونافذة فى صُراخها، والسلطة ملقاة فى أتون الفوضى على قارعة الطريق.
وحتى فى اللحظة التى كان فيها الطامعون فى خلق دولة دينية «ثيوقراطية» يعتقدون أن حلمهم بات واقعاً بين أيديهم، أو هو على مَرْمى البصر، وجد الإمام الأكبر المسافةَ شاسعةً بينه - كونه رجل دين وعلم - وبين أولئك الذين يلتحفون بالدين وهم فى جوهرهم أهلُ سياسة، يسعون لمصالح وسلطان الدين فيه وسيلة ومطيَّة، ليعلنها صريحة واضحة أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية الكهنوتية، ولا يعرف الدولة التى تجحد الدين، ويبنى فى المنتصف دولة المواطنة الوطنية الدستورية التى لا تقبل التمييز بين مواطنيها، وتجيد التفريق بين السياسى والدينى.
سار الإمام خلف فِطْرته التى عاش بها عقودَ عُمْره المديد، وعاش بها من قبله جدوده فى بَرِّ مصر، وسار خلف علمه الذى حصَّله من أزهرٍ امتد أثره وتأثيره من ألف عام يقاوم أىَّ تعكير لفِطْرته، ويحفظ لمصر والعالم فكر التعايش والاندماج والقبول، ووسطية الفَهْم ومنهجه. سار خلف عقله كفيلسوف عالم صاحب عقيدة أشعرية قادرة على المزج بين النصِّى والعقلىِّ، والتمييز بين الدينى والسياسى، ففَرَد مظلَّته ليأمن فى ظِلِّها المفزوعون من هذا الزلزال الذى قلب الأوزان رأساً على عَقِب، فوضع الأساس لدولة المواطنة المدنية الدستورية بوثيقةً وراء وثيقة، وإعلان خلف إعلان، وموقف تلو موقف، ورسالة خلف رسالة، تحمى هُوية شعب قامت على سماحة العقيدة منذ عرف العقائد واختبر الإيمان بالوحدانية، وظل يبنى ويشرح ويُعلِّم ويفرق بين الدينى والسياسى، ويتصدَّى للخلط بينهما ولمحاولات الخطف، لشرعنة مشروعات الأحزاب وتديين أهداف الجماعات.
اختار الأزهر وآباؤه المؤسسون لهذا الكيان منهجه الذى عززه الإمام الطيب فى عقده الأهم، هذا المنهج الذى جعل الأزهر دائماً يتخذ الموقف الأوسط بين تطرفين، منذ انحاز علماؤه الأوائل لمنهج الإمام الأشعرى الذى خرج من رحم فتنة «العقل أو النص» ليشق لنفسه طريقاً وسطاً ينبذ الصراع ويُدين الفتن، وحتى وقوفه بين التطرف العلمانى والتشدد الدينى، رافضاً للدولة الدينية التى سوقت نموذجها جماعات التشدد، ومقاوماً لتطرف علمانى يسعى لإزاحة الدين من المجال العام كله، وداعياً من قلب وثائقه لدولة مدنية دستورية تُميز بين السياسى والدينى ولا تقبل الخلط بينهما.
واليوم بعد عقد كامل من العمل والدأب والإنجاز وما تخلله من معارك وحروب عادلة خاضها الإمام الطيب، يحصد الآن ثمار إخلاصه لوطنه وللأزهر، لبَّى النداءات كغيره من الأئمة الكبار الذين كانوا يَهُبُّون لنصرة البلاد والعباد، فلم يترك لحظة تاريخية فى هذا العقد إلا وكان شريكاً فيها، ضابطاً لفورانها وراعياً لأهدافها المستحقة، ومدافعاً عن جوهرها النبيل.
استعاد للأزهر مكانته وتأثيره، وعزَّز حضوره فى العالم، وأكد وجوده كمرجعية أولى فى العالم الإسلامى، وحاز اعتراف العالم به إماماً إصلاحياً كبيراً تتطلع إليه العواصم ليشاركها حَلَّ معضلات التطرف وإرساء مناهج الوسطية.
ويتواصل التطلع إليه فى العقد الجديد من أجل «أزهر» لمصر والعالم، يشبه تاريخه، ويشبه شيخه: الفقيه، العالم، الباحث، الفيلسوف، السُّنى، الأشعرى، الصوفى، المصرى، العربى، المسلم، المثقف، المجدد، المنفتح، المتكلم، المسالم عن قوة، والقوى فى الحق، الداعى إلى الله العادل كون العدل أسمى مقاصده، والتنوع أساس مشيئته. الداعية الفيلسوف الذى لا يملك غير حكمته ولا يرجو من ورائها إلا الصلاح غير طامع فى حُكْم ولا سُلطان.
رئيس التحرير- أحمد الصاوى

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2021 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg