| 17 يونيو 2024 م

حوار مع

د. عبدالله محيى الدين.. أستاذ العقيدة والفلسفة بأصول الدين: الوسطية متأصلة فى مناهج الأزهر

  • | الجمعة, 25 نوفمبر, 2016
د. عبدالله محيى الدين.. أستاذ العقيدة والفلسفة بأصول الدين: الوسطية متأصلة فى مناهج الأزهر

قال الدكتور عبدالله محيى الدين، أستاذ العقيدة والفلسفة ووكيل كلية أصول الدين بالقاهرة، إن الوسطية متأصلة فى مناهج الأزهر الشريف، وإن الدعوة واجبة، ولا إكراه فى الدين وجزاء العمل لله وحده، رافضًا اتجاه اليسار من علمانيين وتنويريين وحداثيين، وكذلك اتجاه أقصى اليمين ويمثله بعض السلفية الذين يتمسكون بظاهر النصوص بعد فهمهم الخاطئ لها، ويحاولون أن يفرضوا هذا الفهم على الناس، ويدَّعون أن هذا هو الصحيح وما سواه باطل.

وقال محيى الدين خلال حواره مع «صوت الأزهر»: إن الفهم الخاطئ للنصوص مشكلة، فعلى سبيل المثال قول النبى “أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأنى رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة” فهذا الحديث قد فهم بعض المتطرفين منه أن المراد بقول النبى «أقاتل» بمعنى أن أقتل الناس، وليس الأمر كذلك. وإلى نص الحوار:

 

لماذا يأتى الخلاف والتناحر والتكفير فى الدين فى مسائل العقيدة أكثر من الشريعة؟

- الدين ينقسم إلى عقيدة وشريعة، والعقيدة هى الأصول، وهذه الأصول ثابتة، سواء كانت فى الدين الإسلامى، أو حتى فى الديانات السماوية السابقة للإسلام، ومعنى ذلك أن جانب العقيدة ثابت من لدن سيدنا آدم إلى سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) فكل الأنبياء والمرسلين بعثوا بعقيدة التوحيد “ لا إله إلا الله “ والنبى (صلى الله عليه وسلم)  يقول: « أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله » هذا هو الأساس. أما جانب التشريع فهو ما يقع فيه الخلاف بين الأنبياء والمرسلين على حسب ظروف البشر فى كل زمان ومكان، مع ملاحظة أن كل رسول كان يأتى مكملا لمن كان قبله ومبشرًا بمن يأتى بعده إلى أن اكتمل التشريع ببعثة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذى ختمت به الشرائع، والحكم بالإيمان أو الكفر هو من خصائص علم العقيدة، أما علم الشريعة فهو يعتنى بالحلال والحرام والمستحب والمكروه والمباح.

هناك من يزعم أن علم العقيدة فى «الأزهر» جدلى ولا فائدة منه.. ماتعليقك؟

- دراسة العقيدة فى الأزهر تعتمد على منهجين: الأول: برهانى وهو لبناء العقيدة الصحيحة فى قلوب المدعوين. والأمر الثانى: جدلى وهو لحراسة العقيدة والدفاع عنها؛ وذلك لبيان العقائد الفاسدة وبيان زيفها وهدمها والرد عليها. وقد استفاد علماء الأزهر فى هذين المنهجين أى فى بناء العقيدة والدفاع عنها بالقرآن الكريم وذلك فى البرهنة والاستدلال، ومجادلة الخصوم، وهدم عقائد الضالين.. الخ، ثم استفادوا فى مناهجهم بالعقل بعد النقل، والقرآن الكريم قد اتخذ فى تقرير العقائد منهجًا يقوم على التكامل الشامل، بالدليل العقلى القائم على الحوار والمناظرة من أجل الوصول إلى الحق فى القضايا التى تتعلق بالقلب وإبطال ما عداها من شبه الضالين، وهذا ما أمر الله به رسوله (صلى الله عليه وسلم) فى دعوته فبين له المنهج الذى ينهجه بأن يدعو الخصوم بالحكمة، وهذا هو الجانب البرهانى البنائى والموعظة الحسنة، وأن يجادلهم بالتى هى أحسن، وهذا هو الجانب الجدلى الدفاعى، قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ }

‏ولماذا إهمال الدين يكون ظاهراً فى جانب العقيدة..  ولماذا نتهم فى أغلب سلوكيتنا بأنها بدع؟

- إهمال الدين ليس خاصًا بالعقيدة، ولكن يشمل العقيدة والشريعة، ويظهر فى الشريعة أكثر؛ لأن العقيدة شىء خاص بين العبد وربه ومتعلقة بالقلب، أما الشريعة فهى التى تعبر عن الأعمال الظاهرة مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج.. إلخ، فإهمال مثل هذه الأمور من الشرائع هو المعبر عن إهمال الدين، وبالتالى يترتب على هذا أن صاحب العقيدة هنا عقيدته غير صحيحة أو غير مكتملة، أو كسلان عن إقامة الشعائر أو حتى جاحد والله اعلم. أما فكرة البدع ففيها لغط وكلام كثير لا علاقة له بصحيح الدين أو حتى الفكر الدينى، والتبديع والتفسيق دائما يكون من الذين ينتمون إلى الفكر الذى يدعى السلفية؛ فما يحدث مثلاً من أقوالهم فى الصلاة بمساجد بها أضرحة أنها صلاة باطلة فمثل هذا القول غير صحيح لأن الصلاة فى مسجد الحسين مثلا يجب التفريق فيها بين أمرين هما هل الصلاة لله تعالى أم أنها للحسين، وأرى أن الصلاة فى مسجد الحسين أو أى مسجد فيه ضريح يتجه المصلى فى صلاته لله تعالى لا لصاحب الضريح، ومن هنا لا يصح أن نقول بأن الصلاة باطلة أو أن نتهم  من يصلى فى المساجد التى بها أضرحة أنه مبتدع، أو مشرك، وكل المسلمين يعتقدون أن النافع والضار هو الله تعالى وحده وما نراه من افعال بعض العامة بطلبهم من أولياء ماتوا ودفنوا فى مساجد جلب منافع كتسهيل زواج البنات أو نجاح الأولاد فى الدراسة فهذا لا يعد شركًا لأن الشرك نوعان: شرك أكبر وشرك أصغر، والعوام لا يفهمون هذا، ولكن يفهمون أن الشرك هو الشرك الأكبر الذى يخرج صاحبه من الملة ونحن يجب علينا أن نتلطف بهم فى الدعوة وننبه هؤلاء بأن طلب المنافع من الأموات خطأ كبير، لأنهم فى عالم آخر غير عالمنا وهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم جلب منفعة أو دفع مضرة، ثم نوضح لهم الأمر ونبين لهم بأن يعتقدوا أن الله تعالى هو النافع والضار، وبأن هؤلاء الأولياء الموتى لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا ولا يملكون لأنفسهم شيئًا والرسول وهو سيد الأولياء قال فى حياته (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) والنفع الذى يعود على الإنسان من الأولياء هو الاقتداء بهم فى أقوالهم وأعمالهم الحسنة؛ لأن الاقتداء بهم فى الحقيقة هو اقتداء بالنبى؛ لأن الرجل الصالح لا يكون صالحًا إلا إذا كان متأسيًا بالرسول (صلى الله عليه وسلم).

‏ «العلاقة بين العبد وربه» مصطلح نشأت بسببه صراعات من فريقين.. الأول يقول إن المصطلح يدعم حرية الإنسان واختياره.. والثاني يقول نحن كمسلمين أمرنا أن نحمل الناس على التوحيد الخالص.. نود توضيح هذا الاشتباك؟

- أنت بسؤالك هذا ذكرت طرفين فى هذا الاشتباك أو الاختلاف وهما أقصى اليمين وأقصى اليسار، وتركت صنفا ثالثا وهو يمثل الغالبية العظمى من المسلمين الذين يسلكون المنهج الوسطى المعتدل الذى يمثل حقيقة الدين. فاتجاه اليسار من علمانيين وتنويريين وحداثيين  يريدون هدم الإسلام بتجريده من مضأمينه ويجعلونه أمرًا شكليا لكن فى المقابل اتجاه أقصى اليمين ويمثله بعض أتباع السلفية المعاصرة الذين يتمسكون بظاهر النصوص فى العقيدة والشريعة بعد فهمهم الخاطئ لها ويحاولون أن يفرضوا هذا الفهم على الناس ويدعون أن هذا هو الصحيح وما سواه باطل، بل يتهمون من لا يلتزم بفكرهم أنه مبتدع وفاسق، ويفرضون أراءهم  بقوة وعنف والله تبارك وتعالى يقول: { لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } وهنا تأتى أهمية الدعوة بمعنى وجوب الدعوة لكن قضية العمل فهى لله وحده، فلو وجد إنسان متكاسلا عن أداء الصلاة، فلا شك أن ترك الصلاة كبيرة من الكبائر وكذلك ترك الزكاة، أما إذا كان الأمر من الإنسان المسلم جحودًا لتلك الشعائر فهو ردَّة، أما إذا كان الترك والإهمال لتلك الشعائر تكاسلا فتعد كبيرة ومرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة أمره مفوض إلى ربه إذا تاب منها قبل موته تاب الله عليه، لأن الله عز وجل يقول: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }، لكن إذا مات وهو مصر على هذه الكبيرة فأمره مفوض إلى ربه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولذلك نحن ندعو المسلم ونقول له أنت لا تدرى متى يأتى الموت فربما يموت المسلم على كبيرة ويعذب بسببها ويخلد فى النار.

‏ ما أثر هذين التيارين أقصى اليسار وأقصى اليمين على الإسلام؟

- أقصى اليسار يتمثل فى العلمانيين والتنويريين الحداثيين، وهؤلاء هدفهم القضاء على الإسلام وتحجيمه فى ممارسات شكلية، وأقصى اليمين خطورتهم فى عدم فهمهم للنصوص فهمًا صحيحًا، فعندما يذهبون للتطبيق يخطئون، فلو فهموا النصوص فهمًا صحيحًا فى ضوء السابق واللاحق للآيات القرآنية ما وقعوا فى هذا الفهم الخاطئ، ومن فهمهم الخاطئ للنصوص على سبيل المثال قول النبى “أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأنى رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة” فهذا الحديث قد فهم بعض المتطرفين منه أن المراد بقول النبى: “أقاتل” بمعنى أن أقتل الناس، وليس الأمر كذلك، لأن النبى، قال: أقاتل ولم يقل أقتل، والفرق بينهما كبير، وهذا ما يراه كثير من العلماء، لأنه يوجد فرق كبير بين المقاتلة على الشىء والقتل عليه، فإن المقاتلة تكون من الجانبين، بمعنى أقاتل من يقاتلنى، أو أقاتل كل من جحد الصلاة، أو منع الزكاة جحودًا من المسلمين، ولا يلزم من وجوب المقاتلة على الصلاة وجوب القتل عليها إذا تركها، وقد استنكر الشيخ ابن دقيق العيد هذا الفهم الخاطئ للحديث وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل، لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحكى البيهقى عن الإمام الشافعى أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله، ومن هنا فإن الجماعات التى تبيح القتل استنادًا إلى هذا الحديث، ومن ثم يقع منها القتل بالفعل، بسبب فهمها الخاطئ لنص الحديث.

‏ وأين هو الطريق الثالث وما هو منهجه؟

- الطريق الثالث هو المنهج الوسطى، ولا أكون مبالغاً عندما أقول إنه يتمثل فى الأزهر الشريف الذى يتبنى منهج الإمام أبوالحسن الأشعرى، وهو منهج الأزهر فى التعليم فى المراحل التعليمية المختلفة، وهذا المنهج يزاوج بين العقل والنقل، لكنه يقدم الشرع لأنه وحى من عند الله تعالى، ونعنى بالشرع الكتاب والسنة، ولا نعنى به الفكر الإسلامى، لأن هناك فرقا بين الإسلام ككتاب وسنة، وبين الفكر الإسلامى الذى هو اجتهاد الأئمة وهؤلاء المجتهدون يختلفون فمنهم من يصيب ومنهم من يخطئ، أما الإسلام ككتاب وسنة فهما مصدران معصومان من الخطأ والزلل.

 

عاصم شرف الدين 

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
3.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg