| 17 يونيو 2024 م

حوار مع

د. سعيد عامر: البكاء من خشية الله.. لا يذوق حلاوته إلا أهل المعرفة والصلة

  • | الأربعاء, 21 ديسمبر, 2016
د. سعيد عامر: البكاء من خشية الله.. لا يذوق حلاوته إلا أهل المعرفة والصلة

سلط الدكتور سعيد عامر الأمين العام المساعد للدعوة الإسلامية ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف فى حواره لـ«صوت الأزهر» الضوء على جانب من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بدءا من اصطفاء الله له واعداده وصناعته على عينه وحفظه ورعايته، مرورا ببكائه صلى الله عليه وسلم عند تلاوة القرآن والصلاة.

                                     

فى البداية لو تحدثنا عن اصطفاء الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم.

- اصطفى الله سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين البشر لذا قال سيدنا عبدالله بن عباس رضى الله عنهما: «ما خلق اللهُ وما ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد - صلى الله عليه وسلم - وما سمعتُ الله أقسم بحياةِ أحدٍ غيره فقال تعالى «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ».

لذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأولين والآخرين، والمخصوص بالشفاعة العظمى يوم الدين، صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو أول من يستفتح باب الجنة، ولذا روى الإمام مسلم فى صحيحه أن رسول الله قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامةِ وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع»، فقد شرح الله له صدره، ورفع ذكره، ووضع عنه وزره، وأعلى له قدره، وعظم رتبته، وشرَّف به أمته، وأعلى مكانته، وزكاه فى كل شىء.

إذاً.. كيف أعد الله عز وجل نبيه للقيام بالدعوة إليه؟

- أعد الله نبيه إعداداً خاصاً وهيأه تهيئة خاصة للقيام بالدعوة إلى الله عز وجل، واقتضت حكمة الله تعالى، أن ينشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيماً بعيداً عن تربية أبيه وأمه وجده، بياناً للناس أن تربية الله وعنايته بالرسول صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل وأحكم وأحسن من أى تربية أخرى، قال تعالى: «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى»، ثمَّ بدأت مبشرات النبوة بالرؤيا الصادقة فى النوم، فتحقق فى اليقظة كما رآها وهى جزء من النبوة، وهى أول ما عرف صلى الله عليه وسلم من أنواع الوحى الذى امتاز به على سائر البشر، وبهذا الاصطفاء والاعداد صار النبى صلى الله عليه وسلم فى أرقى الدرجات وأعلى المنازل، وكانت روحه فى غاية الشرف والصفاء، وبدنه فى غاية الطهر والنقاء «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» الأنعام: 124، قال الإمام الفخر الرازى: «إن للرسالة موضعاً مخصوصاً لا يصلح وضعها إلا فيه، ممن كان مخصوصاً وموصوفاً بتلك الصفات التى لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولاً، وإلا فلا، والعالِمُ بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى»، ثم تواصل الصقل والإعداد للنبى صلى الله عليه وسلم، لأن الدعوة إلى الله تعالى صعبة وشاقة، ولابد لكل من أراد القيام بها أن يهيئ نفسه لها، جسدياً وروحياً قبل أن يخوض غمارها، وقد بين الله عدة رسائل للإعداد الجسدى والروحى، ومنها: قيام الليل، وترتيل القرآن، والذكر الخاشع المتبتل، والاتكال على الله، والصبر على الأذى والتكذيب، والاستعانة بالله وحده على الأداء والتبليغ، ونرى ذلك جلياً فى سور المزمل، والحجر، والأنعام.. الخ

النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر البكائين، رغم أنه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. برأيك لماذا هذا البكاء؟

- نعم.. إن البكاء من خشية الله تعالى، له مقام عظيم لا يشعر بفضله ومنزلته إلا أهل المعرفة، فلا تراهم إلا خاشعين، مخبتين ذاكرين لله تعالى، مشمرين عن ساعد الجد، سالكين الطريق الذى يوصلهم إلى ساحة القرب والمجد، قال الله عز وجل: «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» الرحمن: 46، وقد يرق قلب العبد الخائف من مقام الله تعالى، فلا يجد له مسلى إلا فى الدموع، فهى التى تفيد إجلال العبد لربه، وشعوره بالافتقار إلى عفوه، بعد الاعتراف بالتقصير فى حقه، فيحل عليه الوجل والخوف فتدركه العناية الإلهية، فتجري دموع البركة والرحمة والرقة لطفاً من الله بذلك العبد الوجل، وأعظم البكاء ما كان من خشية الله تعالى، قال يزيد بن ميسرة رحمه الله: «البكاء من سبعة أشياء: البكاء من الفرح، والبكاء من الحزن، والفزع، والرياء، والوجع، والشكر، وبكاء من خشية الله تعالى»، ولهذا فإن القلوب التى عرفت الله تعالى، وأفردته بالعبادة والقصد، واستشعرت عظمة الله تعالى، ملكها الخوف منه تبارك وتعالى، والخشية والرهبة، فإن خشيت الله تعالى ملكت قلوب العارفين واستحوذت على أفئدة الصادقين، فما أحلى دموع الخشية إذا هملت من أعين الخائفين، هناك تتنزل الرحمات، وتُكتب الحسنات وترفع الدرجات، قال سيدنا عبدالله بن عمر - رضى الله عنهما -: «لأن أدمع من خشية الله أحب إليَّ من أن أتصدق بألف دينار»، وعن عبيد بن عمير - رضى الله عنه - أنه قال لأم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها -: أخبرينا بأعجب شىء رأيته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فسكتت ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال «يا عائشة ذرينى أتعبد الليلة لربى»، قلتُ: والله إنى أحب قُربك، وأحبُ ما يسرُك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي، حتى بل حجرهُ، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي - صلى الله عليه وسلم - حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكورا؟»، لقد أنزلت عليَّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: «إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِى الْأَلْبَابِ» آل عمران: 190

وماذا عن بكائه عند تلاوة القرآن؟

- قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقى، ذكى، فيه سراج يزهر، ينزل جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآيات القرآن، فيزداد - صلى الله عليه وسلم - إيماناً مع إيمانه، وخشوعاً فوق خشوعه. فتسيلُ دموعه، اجلالاً وتوقيراً وتعظيماً وخشيةً، وإنابة ورقة، وقد روى أبوداود - رحمه الله - عن مُطرّف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه – رضي الله عنهما- قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وفى صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء»، ولم يتوقف بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البكاء أثناء تلاوة القرآن بل كان كثير البكاء أيضاً فى الصلاة.

لكن فى زماننا قل البكاء سواء فى الصلاة أو تلاوة القرآن إلا القليل.. لماذا؟

- إن قلة البكاء فى هذا الزمان سببها البعد عن الله سبحانه والانشغال بهموم الدنيا وعدم تصفية القلوب بين البشر، حيث إن البكاء فى الصلاة أو عند قراءة القرآن للعبد، لا يكون إلا عند حضور القلب، وعلو المنزلة فى القرب من حضرة الرب عز وجل، والأصفياء الأتقياء الأنقياء إذا سمعوا كلام الله سبحانه سجدوا وبكوا قال الله تعالى: «إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا «مريم: 58، أى سجدوا لله خضوعاً وتذللاً تسيلُ دموعهم على خدودهم خشية الله، وأعظمها فهماً لكتاب الله وعملاً به، واستعداداً ليوم التناد، وأكثر الأمة رقة للقلوب، وخوفاً من الله علام الغيوب، وترق قلوبهم وتخشع لما يقرأ ويسمع لأن تلك القلوب صفت، وخلت من الصوارف والشواغل إلا الانشغال بما يوصلهم إلى القرب من الجناب الأعظم والفوز الأكبر، قال الله تعالى فى حقهم: «وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ» المائدة: 83، وقال سبحانه «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ «الأنفال: 2، وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال: لما نزلت «أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ». ولنا فى بكاء أصحاب الصفة خير مثال، فلما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم فبكى الصحابة ببكائه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله، ولو لم يذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم»، لقد أثرت الآيات فى أهل الصفة الكرام وهم يستحضرون المعاني فسالت دموعهم، وكان من أكثر الصحابة بكاء أبوبكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم وغيرهم كثير لا يتسع الحديث لذكرهم.

 أحمد نبيوة

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
5.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg