| 17 يونيو 2024 م

حوار مع

قالوا: الحرب كانت الأساس فى دولة المدينة والسلم استثناء .. قلنا: الحرب فى شريعته لدرء العدوان

  • | الثلاثاء, 20 ديسمبر, 2016
قالوا: الحرب كانت الأساس فى دولة المدينة والسلم استثناء .. قلنا: الحرب فى شريعته لدرء العدوان

د. رضا الدقيقى أستاذ العقيدة والفلسفة يفند المزاعم عن رسول الله

الكثير من المزاعم يروجها المستشرقون والمغرضون عن رسولنا الكريم.. قالوا إنه رجل من قريش أراد الزعامة، وإن دعوته لم يكن بها أى جانب إصلاحى، وزعموا أن الحرب كانت الأساس الذى قامت عليه دولة المدينة وأن السلم كان استثناء.. قالوا وقالوا.. فبماذا رد عليهم الدكتور رضا الدقيقى أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بطنطا جامعة الأزهر؟

ـ قالوا: هناك من يزعم أن دعوة الرسول كان هدفها الزعامة ولم يكن بها أى جانب إصلاحى.. ؟!

 · نبوته صلى الله عليه وسلم ثابتة من خلال تلك النقلة الكبرى التى أحدثتها دعوته صلى الله عليه وسلم لقومه حيث نقلهم من الظلمات والجهالة إلى النور والعلم؛ فقد «ادعى النبوة بين أظهر قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم، وجاءهم بالكتاب المبين والحكمة الباهرة، فأزال ما كانوا فيه من الجهالات ورذائل الصفات، ونشر فيهم العلوم والمعارف، وتمم لهم مكارم الأخلاق، وأكمل قواهم العلمية والعملية، وأظهر الله دينه على بقية الأديان. ولا معنى للنبوة والرسالة إلا ذلك». وإذا أردنا تفصيل ما تتمثل فيه هذه النقلة الكبرى فإنا نجد أن محمدا ابن مجتمع القبيلة جاءها بأفكار فى غاية التقدم لا يمكن أن يُتصور أنها ذات جذور قبلية منها: إعلانه الأخوة الإيمانية مع الأصل الإنسانى الواحد: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.نهيه عن التفرق؛ فالمسلمون جماعة واحدة، لا يجوز أن تنقسم، ورابطهم الأخوة فى الله، وهم فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. إعلانه أن اختلاف الدين لا يمنع التعامل بالبر والعدل: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }، وأن العدل لازم حتى مع من نكرههم بسبب ظلمهم وعدوانهم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وحتى مع الذين {قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } جاء الوحى بالتعامل معهم بالوفاء والتقوى {.. بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}..  كل هذه القيم لا يمكن أن يتصور أنها نابعة من القبيلة أو البيئة العربية. تنظيمه لمجتمع لم يكن يعرف قبله شيئا عن أسس التنظيم الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، وكان واقعه مترعا بالربا والاحتكار والاستغلال والتسلط والقهر والظلم.. فوضع قواعد عامة فى نظام الحكم، وفرض شريعة فى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وقضى فى عهده على الربا والاحتكار والاستغلال، وحقق توازن الثروة كى لا تكون دولة بين الأغنياء وحدهم، وأطّر مبادئ التكافل الاجتماعى التى لم تعرفها الأمم الأخرى إلا بعد ذلك بمئات السنين. 

 وضع المرأة

ـ قالوا: إن وضع المرأة الاجتماعى منقوص فى نبوته صلى الله عليه وسلم فى ناحية العمل والتعبد؟

· رسالة النبى صلى الله عليه وسلم أعادت الاعتبار للمرأة؛ بوصفها إنسانا كاملا مؤهلا مكرما، له الحق فى التقرب إلى الله، وفى المعرفة والحقوق والقيم، ولها المكانة ذاتها التى يتبوأها الرجل ولها فى المجتمع مثل ما للرجل وأحيانا تزيد: فالناس جميعا ذكرا وأنثى من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)، والذكر والأنثى سواء فى الأمر بالعمل الصالح وانتظار مثوبته: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)، وشمول المرأة فى كل ما يُطلب من الرجال من التحقق بصفات متعددة فى علاقتهم بالله والمجتمع وثبوت الأجر تبعا لذلك ونفى تهمة الانفراد بالغواية والضعف أمام المعصية عن المرأة، وبيانُ أن الاثم كان مشتركا: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، وبيانُ أنهما تابا معا، وقبل الله توبتهما: (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). والإنكار على من يتشاءم من ولادة الأنثى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)، وتجريم عادة وأدها: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَى ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، والتوصية بالوالدين وبخاصة الأم: { وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}، وإقامة العلاقة بين الزوجين على أساس الشراكة بينهما وليس على أساس الرق والملك: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً). 

 حرب وسلم

قالوا: إن الحرب كانت الأساس فى حياته صلى الله عليه وسلم ـ.. والسلم استثناء؟

· النبى صلى الله عليه وسلم جعل حالة السلم هى الاصل، وحالة الحرب هى الاستثناء، وكان بيانه أن الحرب الشرعية لا تقوم إلا من أجل درء العدوان: { وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }، وإلزامه المسلمين بقبول السلم إن جنح له الأعداء بحق: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} فرضه احترام العهود مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِى أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ به..} منعه مهاجمة العدو المعاهَد الناقضِ عهدَه معنا إلا بعد إعلانه بإلغاء العهد: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين }.

أساس النبوة

قالوا: إن مصدر وأساس نبوته تلقاها من الحنفاء، وخلال أسفاره ومن بعض رجالات قومه؟

· إن التماس مصدر تعاليم دينه صلى الله عليه وسلم فى قومه أمر مستبعد هذا اولاً فهم كانوا «لا يعرفون الكتب ودراستها، وكانت بلدتهم فى البرارى لا يشهدها إلا الأعراب الأميون الذين كان الغالب عليهم الجهل.. ولم يقدم عليهم بمكة أحد من أحبار أهل الكتاب والعلماء بشرائع الأمم المتقدمة يختصه ممن هو دونه ويعتكف على تعريفه مما فى الكتب السالفة» كما لا يمكن أن تكون رحلاته مصدرا تلقى فى أثنائها تعاليم دينه؛ لأن رحلاته لم تكن كثيرة، وكان العمل التجارى - وقد كان مبرزا ناجحا فيه - هو شغله الشاغل فى أثنائها. ولم يكن يغيب عن متابعة مرافقيه من التجار إلى شأن فكرى خاص يخلو بأحد فيه. ولو كانت رحلاته تلك مصدرا - ولو مظنونا - لنبوته لوردت فى اعتراضات مواطنيه المكيين على نبوته؛ لكنها لم ترد؛ ومن ثم فلا تنهض فى وجه أدلة ثبوتها. ولا يمكن أن يكون الحنفاء مصدر تعاليم النبى محمد صلى الله عليه وسلم فهو لم يكن منهم، ولم تكن له صلات قوية بهم، ولم تكن له قدرة على حفظ كلامهم. كما أن ذهن النبى كان خلوا قبيل البعثة من الأفكار التى كانت تشغل ذهن الحنفاء. هذا بالإضافة إلى أن الحنفاء كانوا أفرادا معدودين مشتتين، ولم ينتظموا تيارا عاما.

 قالوا: إنه كان يعيش حياة فكرية.. جدلية.. كالفلاسفة أو الحنفاء فتولدت عنده تعاليم رسالته؟

· النبى صلى الله عليه وسلم قبل دعواه النبوة كان يعيش حياة عادية بعيدة عن أى جدل فكرى عقدى، وأنه لم يؤثر عنه قبل دعواه - التى كانت عند تمامه الأربعين من عمره- أية حوارات أو حتى أقوال عابرة تنبئ عن مكنون أفكاره. فلقد كان الرسول منصرفا لشأنه الخاص، ورعاية أسرته كبيرة العدد، ولم يكن مشاركا فى أى جدل دينى يدور فى محيطه، ولم تكن تسيطر على تفكيره أية مشكلة ميتافيزيقية حتى من قبيل تلك التى سيطرت على أفكار الحنفاء، وظل كذلك حتى الأربعين من عمره. وفجأة ودون توقع أو انتظار، أو إعداد كسبى منه، يفاجئه الملك بالوحى، وينزل عليه القرآن الذى لم يجر على لسانه قبل الأربعين شىء منه، وتتدفق مِن فِـيِه بحار من الحكمة؛ وهو الذى لم تؤثر عنه عبارة أو كلمة حكيمة مأثورة قبل الأربعين. 

  عاصم شرف الدين

 

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg