| 22 يونيو 2024 م

حوار مع

الشيخ محمد رفعت.. هدية السماء إلى الأرض

  • | الأحد, 2 يوليه, 2017
الشيخ محمد رفعت.. هدية السماء إلى الأرض

مَن منا لم يتمايل طربا على صوت أذانه الذى أصبح إحدى علامات شهر رمضان التى ارتبطت بوجدان المصريين أو قرآن السابعة صباحا بإذاعة القرآن الكريم الذى يطربك بحنجرة ذهبية وصوت ملائكى يسمو بك فى فضاءات الخشوع وآفاق السمو الروحى مع آيات الله تعالى.. إنه الشيخ محمد رفعت الذى نتعرف على مسيرة حياته الحافلة بخدمة القرآن فى السطور التالية..

ولد الشيخ محمد رفعت فى درب «الأغاوات» بحى المغربلين بالقاهرة عام 1882، وسماه والده الذى كان يعمل مأمورا بقسم شرطة الخليفة اسما مركبا هو «محمد رفعت».. فقد بصره فى طفولته ووجهه والده إلى حفظ القرآن الكريم لما لمسه فيه من نجابة وحلاوة صوت، وقيل إن السبب فى فقد بصره هو حسد امرأة له بعد زيارتها لوالده لتهنئته بمولده، وقالت: «ابنك له عيون ملوك»، أصيب بعدها مباشرة بمرض فى عينيه وفقد بصره إثر ذلك عندما كان عمره ما يقرب من سنتين فقط.

بدايته مع القرآن

حرص والده على أن يهبه لخدمة القرآن الكريم وألحقه بكتاب «بشتك» الملحق بمسجد مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل العاشرة، ودرس علم القراءات، والتفسير ثم المقامات الموسيقية على أيدى شيوخ عصره، وتوفى والده وهو فى التاسعة من عمره فوجد الطفل اليتيم نفسه مسئولا عن أسرته المكونة من 4 أفراد: أمه وخالته وأخيه وأخته، وأصبح عائلها الوحيد فلجأ إلى القرآن، يعتصم به ولا يرتزق منه، فقد تولى القراءة بمسجد فاضل باشا فى السيدة زينب سنة 1918 وهو فى سن الخامسة عشرة، فبلغ شهرة واسعة فى محيطه ونال محبة الناس، وكانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكى، حدثت الكثير من حالات الوجد والإغماء من شدة التأثر بصوته الفريد، وكان محبو الشيخ محمد رفعت يجلسون خارج المسجد بعد امتلاء ساحته، وكان الترام رقم 5 يمر من أمام المسجد أثناء الصلاة وفى كل مرة كان يشير الكمسرى للسائق ليتوقف رغم عدم وجود ركاب أو محطة رسمية للوقوف وذلك ليستمتع فقط بصوت الشيخ محمد رفعت والغريب أن الكمسرى كان مسيحيا.

لمع اسم الشيخ وعشقت الملايين صوته، وكذلك الأجانب الذين يجلسون بالشرفة العلوية الكبيرة بمسجد فاضل باشا للاستماع إلى صوت الشيخ محمد رفعت الذى ملك قلوبهم وعقولهم وكان صوته سبباً فى دخول الكثير منهم إلى الدين الإسلامى، وظل يقرأ القرآن ويرتله فى هذا المسجد قرابة الثلاثين عاما، وفاء منه للمسجد الذى بدأ فيه حفظ كتاب الله، رغم العروض الكثيرة للقراءة فى المساجد الكبرى كمسجدى الإمام الحسين والسيدة زينب.

قيثارة السماء

نال الشيخ محمد رفعت عددا كبيراً من الألقاب، منها (كروان الإذاعة الروحانى - قيثارة السماء المعجزة الربانى - القرآنى سوط العذاب وصوت الجنة الصوت الملائكى صوت عابد الصوت الذهبى)، كما كان الشيخ «محمد رفعت» أول من أسس مدرسة للتجويد القرآنى فى مصر.

افتتح الشيخ «محمد رفعت» بث الإذاعة المصرية سنة 1943، وكان ذلك عندما استفتى شيخ الأزهر الإمام «محمد الأحمدى الظواهرى» عن جواز القراءة فى إذاعة القرآن الكريم، فأفتى له بجواز ذلك فافتتحها بقوله تعالى من أول سورة الفتح: «إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً». 

تفرده فى القراءة

لكل قارئ لكتاب الله طريقته الخاصة فى القراءة، وما يمتاز به الشيخ «محمد رفعت» أنه كان دائما يبدأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والبسملة، ثم الترتيل بهدوء وتحقيق، وصوت خفيض، يعلو بعدها صوته، فيصبح مرتفعا لكنه رشيد يمس القلب ويتملكه، ويسرد الآيات بسلاسة، ويسر، واستشعار لآيات الذكر الحكيم.

لم تنته بعد صفات هذا الولى البكاء فى القراءة، فكان ينتقل من قراءة إلى قراءة ببراعة وإتقان وبغير تكلف، بعكس القراء الذين يفتخرون بذلك، ويتمادون بطريقة مبتذلة زائدة عن الحد، فقد كان صوته يجرى مقامات موسيقية مختلفة، ويستطيع أن ينتقل من مقام إلى مقام دون أن يشعرك بالاختلاف، فنجد الناس يبكون عندما يقرأ آيات الترهيب، ويفرحون بذكره آيات الترغيب لذا سمى «بسوط عذاب وصوت الجنة»، وعند سرده القصص القرآنى يتفكرون فى الآيات ويتدبرونها ويعتبرون منها، صوته يشرح الآيات ويجمع بين الخشوع وقوة التأثير، فكان أسلوبا فريدا فى التلاوة.

ولم يكتف الشيخ محمد رفعت بموهبته الصوتية الفذة، ومشاعره المرهفة فى قراءة القرآن، بل عمق هذا بدراسة علم القراءات وبعض التفاسير، واهتم بشراء الكتب، ودراسة الموسيقى الرقيقة والمقامات الموسيقية، فدرس موسيقى «موتزارت»، و«بتهوفن»، و«فاجنر»، وكان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية فى مكتبته.

مكانة القرآن فى نفسه

ظلت نفس الشيخ محمد رفعت عفيفة زاهدة فى الحياة، فلم يكن طامعا فى مال ولا لاهثا خلفه، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، فكانت مقولته: «إن سادن القرآن لا يمكن أبدا أن يهان أو يدان»، نفسه نفس أبية لا تعرف إلا عظائم الأمور فكانت مسار حياته، فحين عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم، رفض وقال: «إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغانى الخليعة التى تذيعها إذاعتكم»، وعندما علا نجمه وذاع صيته فى مشارق الأرض ومغاربها تنافست إذاعات العالم الكبرى، مثل: إذاعة لندن، وبرلين، وباريس، وغيرها من الإذاعات الأخرى فى أثناء الحرب العالمية الثانية..لتستهل افتتاحها وبرامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت لتكسب الكثير من المستمعين، إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء وأبى أن يتكسب بالقرآن، فقد عرض عليه سنة 1935 أن يذهب للهند مقابل 15 ألف جنيه مصرى لإحياء شهر رمضان، فاعتذر، فوسط المهراجا «نظام حيدر آباد» الخارجية المصرية، واعتقد أن الشيخ محمد رفعت رفض الزيارة لقلة المبلغ، فضاعف المبلغ 100 جنيه زيادة لكل ليلة من ليالى رمضان، فأصر الشيخ على اعتذاره، وصاح فيهم غاضبا: «أنا لا أبحث عن المال أبدا، فإن الدنيا كلها عرض زائل».

صالونه الثقافى

أقام الشيخ محمد رفعت صالونا ثقافيا قصده نخبة من المثقفين والفنانين منهم: أحمد رامى ومحمد التابعى وكامل الشناوى وكانت تحضر ليلى مراد قبل إسلامها برفقة والدها وارتبط الشيخ محمد رفعت بصداقة قوية مع صالح عبدالحى وزكريا أحمد ومحمد عبدالوهاب، وفى أيامه الأخيرة كان أقرب أصدقائه الفنان القبطى نجيب الريحانى وكان يزوره بصفة دائمة للتخفيف عنه والوجود بجواره.

مواقف فى حياته

فى أحد الأيام طلب من أولاده أن يحضروا سائق العربة له بعد أذان المغرب، وأمره أن يتوجه لمنطقة فى وسط القاهرة، والغريب أنه كان يوجه السائق بالدخول فى الشوارع مرة يمينا وأخرى يسارا والسائق متعجب من ذلك، حتى انتهى بهم المطاف أمام سرادق عزاء لسيدة، فدخل السرادق وطلب ابن السيدة وشد عليه فى الكلام قائلا له: لمَ لم تنفذ وصية والدتك بأن تحضرنى للقراءة فى عزائها؟ فاعتذر الابن معللا بأننى خفت من عدم حضورك، ولا أتمكن من توفير أجرك، فوبخه الشيخ محمد رفعت، فقال له: إن والدتك جاءتنى فى الرؤيا وطلبت منى أن أقرأ القرآن فى عزائها، واستأذن القراء وظل يقرأ حتى نهاية العزاء. 

يذكر أن أحد الأثرياء قد دعاه للقراءة يوما فى مناسبة ما، فلما انتهى الشيخ من تلاوته أعطاه الثرى أجر وقته الذى قضاه فى التلاوة، فلم يعرف ما أخذ، فلما رجع الثرى لبيته وجد أنه أخطأ وأعطى الشيخ «مليما» بدلا من «جنيه ذهبى» فتحرج كثيرا وهرول للشيخ يعتذر له ويستسمحه أن يأخذ الجنيه الذهبى فأبى الشيخ محمد رفعت قائلا للرجل: «المليم هذا رزق ربى والحمد لله على ما رزقنى»، ورفض أخذ الجنيه.

وذات مرة كان الشيخ محمد رفعت يقرأ القرآن فى سرادق عابدين وبعد أن انتهى من القراءة أمر الملك فاروق بإعطاء الشيخ بعض المال ولكنه رفض وقال للملك فاروق: أنا أقرأ القرآن الكريم لله تعالى.

وزاره صديق له قبل موته فقال له صديقه: من يرعى فتاتى بعد موتى؟ فتأثر الشيخ بذلك وفى اليوم التالى والشيخ يقرأ القرآن من سورة الضحى حتى وصل إلى قوله تعالى «فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر»، فتذكر الفتاة وانهمر فى البكاء بشدة، وبعدها خصص مبلغا من المال للفتاة حتى تزوجت.

مرض.. ورحيل

شاء الله أن يصاب الشيخ محمد رفعت بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش وعندما شفى عاود القراءة حتى أصيب بمرض الفواق «الزغطة» الذى منعه من تلاوة القرآن، بل من الكلام أيضاً، حيث تعرض فى السنوات الثمانى الأخيرة من عمره لورم فى الأحبال الصوتية منع الصوت الملائكى النقى من الخروج، ومنذ ذلك الوقت حرم الناس من صوته، وعلى الرغم من أنه لم يكن يملك تكاليف العلاج إلا أنه اعتذر عن قبول أى مساعدة من أحد، وعندما هاجمه المرض واشتد عليه، حاول بعض أصدقائه ومحبيه أن يجمعوا له بعض الأموال لتكاليف العلاج فلم يقبل التبرعات التى جمعت له والتى بلغت نحو 20 ألف جنيه وفضل بيع بيته الذى كان يسكن فيه فى حى «البغالة» بالسيدة زينب وقطعة أرض أخرى لينفق على مرضه رغم إلحاح ملوك ورؤساء العالم الإسلامى فى علاجه على نفقتهم الخاصة رافضا ومعتذرا، قائلا لهم: «أنا مستور والحمد لله»، وكانت كلمته الشهيرة «إن قارئ القرآن لا يهان»، عندئذ توسط الشيخ «أبو العينين شعيشع» لدى «الدسوقى أباظة» وزير الأوقاف آنذاك فقرر له معاشا شهريا.

وكانت وفاة الشيخ محمد رفعت فى 9 مايو 1950، التاريخ نفسه الذى ولد فيه، عن ثمانية وستين عاما قضاها فى رحاب القرآن الكريم وقد نعته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها: «أيها المسلمون، فقدنا اليوم علما من أعلام الإسلام».

أما الإذاعة السورية فجاء النعى على لسان المفتى: «لقد مات المقرئ الذى وهب صوته للإسلام».

فى عيون معاصريه ولاحقيه

كان الشيخ محمد رفعت يعامل معاملة الملوك والرؤساء، وكان لا يأخذ أجرا على القراءة، وصفه الموسيقار «محمد عبدالوهاب بأنه «صوت ملائكى يأتى من السماء لأول مرة»، وقال عنه مفتى سوريا يوم انتقاله «إنه جدد شباب الإسلام»، ذات مرة سئل الشيخ محمد متولى الشعراوى عن رأيه فى أصوات القراء وهم: الشيخ محمود خليل الحصرى والشيخ عبدالباسط عبدالصمد والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمد رفعت؟ فقال: إن أردنا أحكام التلاوة فالحصرى، وإن أردنا حلاوة الصوت فعبدالباسط عبدالصمد، وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فمصطفى إسماعيل، وإن أردنا هؤلاء جميعاً فهو محمد رفعت.

وقال عنه الكاتب محمود السعدنى: «إن جميع قراء العالم الإسلامى، مجرد أوراق وغصون من شجرة محمد رفعت، بما فيهم مصطفى إسماعيل والحصرى وعبدالباسط»، وقال أيضاً عندما سئل عن سر تفرد الشيخ محمد رفعت فقال: «كان ممتلئا تصديقا وإيمانا بما يقرأ».

وقال عنه الأديب محمد السيد المويلحى فى مجلة الرسالة: «سيد قراء هذا الزمن، موسيقى بفطرته وطبيعته، إنه يزجى إلى نفوسنا أرفع أنواعها، وأقدس وأزهى ألوانها، وإنه بصوته فقط يأسرنا دون أن يحتاج إلى أوركسترا»، قال عنه الكاتب الصحفى أنيس منصور: ولا يزال المرحوم الشيخ محمد رفعت أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ محمد رفعت أنه فريد فى معدنه، وأن هذا الصوت قادر على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها، ثم إنه ليس كمثل أى صوت آخر.

لطفي عطية

طباعة
كلمات دالة:
Rate this article:
1.0

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.








حقوق الملكية 2024 جريدة صوت الأزهر - الأزهر الشريف
تصميم وإدارة: بوابة الأزهر الإلكترونية | Azhar.eg