1345678910الأخير

  • الفتاوى

  • الأخبار

  • المقالات

الهجرة ودعوى الهروب من الاضطهاد

د/ أسامة أمين مدرس مساعد بقسم الحديث بجامعة الأزهر

  • | الثلاثاء, 10 سبتمبر, 2019

يتردد على ألسنة بعض المشككين في السيرة النبوية أن الهجرة المباركة كانت هربًا من قريش وبطشهم، وخوفًا من إلحاق الضرر بشخص النبي الكريم، وهذه صورة مغلوطة، يراد بها الاستهانة بحدث من أعظم الأحداث التي مرَّت بها الدعوة الإسلامية في مهدها، وشكّلت نقطة الانطلاقة ولحظة التحول في مسار الدعوة عامة وحياة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - خاصة. ونوجز دفع هذه الشبهة في النقاط التالية:

أولًا: الهجرةُ مصطلحٌ يعني الانتقال من مكان إلى مكان، أو من حالة إلى حالة .. وهو إذا أُطلق فمعناه الشرعي هو الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

والحقيقة أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - لم ينتقل أو يهاجر من مكة إلى المدينة بمحض إرادته، وإنما كان بإذن الله تعالى بعد أن أُجبر على الخروج والانتقال، فهو لم يخرج وإنما أُخرِج! والإجبار على الهجرة يتعارض مع دعوى الهروب!!.

عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - كما في جامع الترمذي بسند صحيح، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَكَّةَ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ».

فهذا يُبين أن الهجرة لا تعني الهروب؛ لأنها لم تكن أمرًا اختياريًّا بالنسبة للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - وإنما كانت حالة اضطرارية!!.

وفي صحيحِ البخاريّ، من حديث أُمّنا عائشة - رضي اللهُ عنها - في باب بدء نزول الوحي، ما جاء في قصة بدء الوحي وأنّهُ لمّا نزلَ الوحيُ على النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  -، ورجع صلواتُ ربّي وسلَامُه عليه لِأمّنا خديجة يرجُفُ فؤادُهُ من أمر ما حدث، وذهبت بهِ - رضي اللهُ عنها - لِورقة بن نوفل فقال له: (هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  -: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟! قَالَ: نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ.(!!

فما خرج النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - من مكة من تلقاءِ نفسِهِ، ولَا من خاصة رأيِه ليكون هاربًا، حاشاهُ وهو أشجع الناسِ قلبًا، بل بقيَ حتّى أذِنَ اللهُ لهُ ولِأصحابِهِ بالخروج، فكان الخروجُ إذنًا بعدَ سنواتٍ من العذابِ والْإيذاء لهُ عليه الصلَاةُ والسّلَام ولِأصحابِه، أذىً وإيذاءً وحصارًا في شِعِب أبي طالب!!

خرج .. ولمْ يكُن أوّل النّاسِ خروجًا، بل من أواخِرهم!!

بقي حتى لم يبقَ بمكة من المسلمين إلّا هُو وصاحبُهُ الرّفيقُ الشفيقُ الصدّيقُ أبو بكر، ومفدّيهِ ابنُ عمّهِ عليُّ الوفيّ، ومَن كان من محبوسٍ عاجزٍ عن الخروج من بقيّة المسلمين، رضيَ اللهُ عنهم وأرضاهم أجمعين!!

خرجَ وهاجر، ولمْ يكُن ذاك أوّلَ خروجٍ للمسلمين، ولَا أوّل هجرتهم!! فدُونَ الهجرةِ للمدينة .. كانت هجرةُ المُستضعفينَ للحبشة!!

وما خرج معهم حينها رسولُ الله صلوات ربي عليه، ولو كان أهلًا للهرب خوْفًا على نفسِه، لكان خرج وقتها معهم!!

ثانيًا: الهجرة كانت فتحًا ونصرًا للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - .

كانت نصرًا لشخصه؛ حيث نجاه الله تعالى من أيدي قريش التي كانت تتربص به وتخطط لقتله، ونصرًا لدينه، حيث هيأ الله له في المدينة من حمله، وحفظه، قولًا وعملًا، ونصرًا للمسلمين: حيث أمِنوا على أنفسهم بعد تشريد، وأصبح لهم شوكة بعد ضعف، وأُذن بالقتال فخرجوا ملَبّين، فهابتهم الأمم، ونالتهم الكرامة. واستطاع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - أن يبني دولة متكاملة تصدع بالحق في كل مكان، وتدفع عدوان المعتدين عن المسلمين، حتى كتب الله للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - أن يعود لمكة عام الفتح فاتحًا منتصرًا سالمًا غانمًا.

ودليل ذلك ما عبَّر به القرآن الكريم في قول الله - تعالى -: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فأنزل اللهُ سكينته عليه وأَيَّده بجـنـودٍ لم تَرَوْها وجعل كلمة الذين كفروا السُفْلَى وكلمةُ اللهِ هي العُلْيَا واللهُ عزيزٌ حكيمٌ) [التوبة:40].

ثالثًا: الهجرة في ذاتها جهاد، فقد خرج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  - لمكة هو وأصحابه مجاهدين، بذلوا في ذلك كل غالٍ ونفيسٍ من المال والأهل والوطن والنفس؛ لإقامة دين الله تعالى، وإظهار شعائره، فالخروج إذا كان جهادًا وليس هروبًا!! فالجهاد شجاعة وإقدام، وبذل وإيثار، قال - تعالى -: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [التوبة: 20].

صلواتُ ربّي وتسليماتُهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ الكرام، الْأخيار الْأطهار، وعلى أزواجِهِ والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدّين..

 

طباعة
الأبواب: مقالات
كلمات دالة:
Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.


  • قضايا معاصرة