العربية (مصر)

وجود الله تعالى في القرآن الكريم (من كتاب مقومات الإسلام- لفضيلة الإمام الأكبر)
Azhar Center for Translation
/ الأبواب: مقالات

وجود الله تعالى في القرآن الكريم (من كتاب مقومات الإسلام- لفضيلة الإمام الأكبر)

وجود الله تعالى في القرآن الكريم

يذهب كثير من العلماء إلى أن قضية إثبات وجود الله تعالى لم تكن من أهداف القرآن الكريم، وذلك لما تتمتع به هذه القضية من يسر وسهولة في إثباتها وإدراكها، ولما تتميز به معرفة الله تعالى من حضور مستمر في وجدان الناس جميعًا، وهو ما يعبر عنه أحيانًا بفطرية الشعور بوجود الله.. ويقولون: عن الآيات التي جاءت تتحدث عن وجود الله إنما جاءت لتثبت وحدانيته تعالى ونفي الشريك عنه.

وبرغم أن قضية وجود الله-تعالى- تعتبر من أقرب القضايا إلى العقل والوجدان إلا أننا قد وجدنا في كل زمان من جحدوا الصانع المدبر العالم القادر" وزعموا أن العالم لم يزل موجودًا كذلك بنفسه وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان، كذلك كان، وكذلك يكون أبدًا"[1]. وقد جاءت آيات القرآن الكريم لترد على هؤلاء جميعًا في كل زمان ومكان، وكان معتمد آيات القرآن-في هذا المقام- هو بيان العناية والإبداع والحكمة في هذا العالم، وفي نُظمه وقوانينه ونواميسه، وبيان عظمة الله وقدرته في كل مصنوعاته، وان كل ذلك إنما يستدعي خالقًا وصانعًا ومدبرًا.

والذي يتدبر آيات القرآن الكريم يجد أنها تستوعب في إعجاز إلهي خلاصة الاستدلالات السابقة التي طوّل بها كل من أصحاب الفطرة والمتكلمين والفلاسفة.

فقد ورد القرآن الكريم بضروريات فكرية على من انحرفت فطرته، مذكرًا إياه بضرورة دلالة الخلق على الخالق: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (10) " إبراهيم﴾.

كما لفت العقول إلى خلاصة دلالة الحادث على المحدث-كما يقول المتكلمون أو دلالة الممكن الوجود على الواجب الوجود- كما يقول الفلاسفة- وذلك في آية قصيرة من آياته الكريمة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)﴾الطور".

إن الجزء الأول من هذه الآية" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ.." يقرر عن طريق الاستفهام الاستنكاري استحالة أن يجيء الوجود من العدم، أي استحالة أن يجيء شيء هكذا من غير سبب موجود، وهذا الجزء تعبير بالغ الدقة عن قضية قبْلية مركوزة في طبائع الموجودات كلها، وأعني بها قضية السببية، وهي ذات القضية التي عبر عنها المتكلمون في دليلهم بقولهم:" كل حادث لا بد له من محدث"، وعبر عنها الفلاسفة في دليلهم بقولهم:" كل ممكن فله علة". أما الجزء الثاني من الآية الكريمة: ﴿ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ"- فإنه يقرر بطريق الاستفهام الاستنكاري أيضًا- استحالة ان يخلق الشيء نفسه، أي يقرر ضرورة المغايرة التامة بين مفهوم" الخالق" ومفهوم " المخلوق" فلا يصح في منطق العقول ان يكون المخلوق خالقًا كما لا يصح أن يكون المخلوق خالقًا كما لا يصح أن الخالق مخلوقًا، وهذا المعنى أيضًا هو ما انتهى إلى دليل المتكلمين من أن علة الممكنات علة خارجة عن سلسة الممكنات، وأنها لا تكون ممكنة الوجود بحال من الأحوال.

هذه الآية الكريمة تنبه- في المقام الأول- إلى مبدأ السببية ثم تنبه ثانيًا إلى مبدأ الفصل المطلق بين مفهومين لا تداخل بينهما بحال، هما: مفهوم الخالق ومفهوم المخلوق، وقد مر بنا أن محاولات المتكلمين والفلاسفة برغم تعقدها لم تخرج عن هذين الأصلين اللذين تضمنتهما الآية الكريمة.

 

[1] الغزالي- المنقذ من الضلال- ص 343- 346- دار المعارف الطبعة الثالثة- القاهرة 1988م انظر أيضًا د. عبد الحليم محمود: التفكير الفلسفي في الإسلام ص 65ط الأنجلو 1968م.

طباعة
334 Rate this article:
لا يوجد تقييم

رجاء الدخول أو التسجيل لإضافة تعليق.

x